المناوي
147
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
وقال : من حكمة المريد أن يكون فيه ثلاثة أشياء : نومه غلبة ، وأكله فاقة ، وكلامه ضرورة . وقال : لولا أنّ ذكره فرض عليّ لما ذكرته إجلالا له ، مثلي يذكره ولم يغسل فمه بألف توبة « 1 » . وقال : اجتهد كلّ ليلة أن تكون ضيفا « 2 » ، وأن لا تموت إلّا بين منزلتين . وقال : كنت بطريق مكّة تائها يوما ، فإذا بهميان يلمع دنانير ، فهممت أن آخذه أفرّقه على الفقراء ، فهتف بي هاتف : إن أخذته سلبناك فقرك . وقال : كان عندنا بمكّة فتى عليه أطمار رثّة ، ولا يداخلنا ولا يجالسنا « 3 » ، فأحببته ففتح لي بمائتي درهم من حلّ ، فحملتها فوضعتها بين يديه على سجّادته ، وقلت : هذه حلال ، فاصرفها ، فنظر إليّ شزرا وقال : اشتريت هذه الجلسة مع اللّه بسبعين ألف دينار تريد أن تخدعني عنها بهذه ، وبدّدها « 4 » وقام ، فقعدت ألتقط ، فما رأيت كعزّه حين ذهب ، وكذلّي حين التقطتها . وقال : صحبني رجل فكان على قلبي ثقيلا ، فوهبت له شيئا ليزول ما بقلبي ، فلم يزل ، فقلت : ضع رجلك على خدّي ، فأبى ، فقلت : لا بدّ ، وجزمت بأنّه لا يرفع رجله حتّى يرتفع بغضه من قلبي ، فلمّا زال ذلك من قلبي قلت له : ارفعها . وقال : كنت بالبادية فرأيت فقيرا ميتا وهو يضحك ، فقلت له : أتضحك وأنت ميت ؟ فقال لي هاتف : هكذا يا أبا بكر « 5 » يكون محبّ الرّحمن . وقال وقد نظر إلى شيخ أبيض الرّأس واللّحية يسأل النّاس : هذا رجل ضيّع حقّ اللّه في صغره ، فضيّعه في كبره .
--> ( 1 ) في ( أ ) و ( ب ) : تربة . ( 2 ) كذا في الأصل ، وفي مناقب الأبرار 180 / ب : ضيف مسجد . ( 3 ) في المطبوع : ولا يخالطنا . ( 4 ) في المطبوع : بدرها . ( 5 ) في ( أ ) و ( ب ) : يا أبا بكر ، كذلك يكون .