المناوي

392

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

( 153 ) عفيرة البصريّة « * » عفيرة البصرية ، العابدة الزّهيّة ، كانت على قدم كبير من الزّهد والتعبّد ، والصّيام والتهجّد ، وكان عبّاد زمنها يزورونها ، فقالوا يوما : نسألك الدّعاء . فقالت : لو أنّ الخاطئين خرسوا لكنت أوّل من خرس ، وصار أبكم ، لكنّ الدّعاء سنّة ، أسأل اللّه أن يجعل قراكم من بيتي دخول الجنّة ، وجعل ذكر الموت منّي ومنكم على بال ، وحفظ علينا الإيمان إلى الممات . وقال لها روح بن سلمة : بلغني أنّك لا تنامين باللّيل ، فبكت ، ثم قالت : ربّما أشتهي أن أنام فلا أقدر عليه ، فكيف ينام أم كيف يقدر على النّوم من لا ينام عنه حافظاه ليلا ولا نهارا ؟ قال : فأبكتني ، وقلت في نفسي : أراك في واد وأنا في واد . وكانت قد تعبّدت وبكت حتّى عميت ، فدخل عليها يحيى بن بسطام في جماعة ، فقال بعضهم لرجل بجنبه : ما أشدّ العمى على من كان بصيرا . فسمعته فقالت : يا عبد اللّه ، عمى القلب عن اللّه أشدّ من عمى العين عن الدّنيا ، واللّه لوددت أنّ اللّه وهب لي كنه محبّته وأنّه لم يبق منّي جارحة إلّا أخذها . وكانت تقول : عصيتك بكلّ جارحة منّي على حدتها ، واللّه لئن عشت لأطيعنّك بكلّ جارحة عصيتك بها . وقيل لها : تسأمين من طول البكاء ؟ فبكت ، ثم قالت : كيف يسأم ذو داء من شيء يرجو أنّ له فيه من دائه شفاء . وقدم ابن أخ لها كانت طالت غيبته ، فبشّرت به ، فبكت ، فقيل لها : ما هذا ، واليوم يوم سرور ؟ فازدادت بكاء ، ثم قالت : واللّه ، ما أجد للسّرور في قلبي موضعا مع ذكر الآخرة ، ولقد أذكرني قدومه يوم القدوم على اللّه ، فمن بين مسرور ومثبور . ثم أغمي عليها وسقطت .

--> * صفة الصفوة 4 / 33 ( غفيرة ) ، المختار من مناقب الأخيار 413 / ب ، ( غفيرة ) البداية والنهاية 10 / 177 ، طبقات الشعراني 1 / 67 .