المناوي
374
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
ومنها : أنّ عبد الملك بن مروان حمله من المدينة مقيّدا مغلولا في أثقل قيود وأغلال ، فدخل عليه الزّهريّ رحمه اللّه لوداعه فبكى ، وقال : وددت أنّي مكانك . فقال : أتظنّ أن ذلك يكربني ، لو شئت لما كان ، وإنّه ليذكّرني عذاب اللّه . ثم أخرج رجليه من القيد ، ويديه من الغلّ ورماهما ، ثم أعادهما . وكان يضرب به المثل في الحلم ، وله فيه حكايات عجيبة ، وأخبار غريبة . وكان شديد الخوف من اللّه تعالى بحيث إذا توضّأ اصفرّ لونه ، وارتعد ، فيقال له : ما هذا ؟ فيقول : تدرون بين يدي من أريد أن أقوم ؟ وكان لا يعينه على طهوره أحد ، ولا يدع قيام اللّيل حضرا ولا سفرا . وقرّب إليه طهره مرّة في وقت ورده ، فوضع يده في الإناء ليتوضّأ ، ثم رفع رأسه ، فنظر إلى السّماء والقمر والكواكب ، فجعل يتفكّر في خلقها حتى أصبح ، وأذّن المؤذّن ويده في الإناء فلم يشعر . ومن كلامه : إذا نصح العبد للّه في سرّه أطلعه على مساوئ عمله ، فتشاغل بذنوبه عن معايب النّاس . وقال : فقد الأحبّة غربة . وقال : عبادة الأحرار لا تكون إلّا شكرا للّه ، لا خوفا ولا رغبة . وقال : كيف يكون صاحبك من إذا فتحت كيسه فأخذت منه حاجتك لم ينشرح لذلك ؟ وقال : أقرب ما يكون العبد من غضب اللّه إذا غضب . قال : إنّ قوما عبدوه رهبة فتلك عبادة العبيد ، وآخرين عبدوه رغبة فتلك عبادة التجّار ، وقوما عبدوه شكرا فتلك عبادة الأحرار . وقال : للّه تعالى ثلاث مائة وستّون « 1 » نظرة إلى عباده في اليوم واللّيلة ،
--> ( 1 ) في المطبوع : ستين .