المناوي
165
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
ولايته ، فقالوا : إنا لنرجو أنك حفرت الآبار ، وسقيت الحاج ، وصنعت وصنعت ، وابن عمر رضي اللّه عنه ساكت ، فقال : ما تقول ؟ فقال : أقول الخبيث لا يكفر « 1 » ، وإنك قد وليت البصرة ، ولا أحسبك إلا وقد أصبت منها شرّا . وكان من المبالغين في التواضع ، لا يأكل إلا مع المساكين حتى أضرّ ذلك ببدنه . وكان لا يأكل طعاما إلا ومعه يتيم ، ولا يردّ سائلا ، حتّى إنّ المجذوم ليأكل معه ، وإنّ أصابعه لتقطر دما . وأهدي إليه جوارش ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : يهضم الطعام . قال : ما ملأت بطني منذ أربعين سنة ، فما أصنع به ؟ وكان لا يلبس إلّا الخشن ، فأتي بثوب ليّن ، فقال : أحرير هذا ؟ فقيل : لا ، بل قطن ، فالبسه . فقال : إنّي أخاف أن أكون مختالا فخورا ، واللّه لا يحبّه . وما وضع لبنة على لبنة قطّ ، ولا غرس نخلة منذ قبض المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم . وسئل عن اللباس فقال : البس ما لا يزدريك به السّفهاء ، ولا يعيبك عليه العلماء . قال : وما ثمنه ؟ فقال : ما يساوي عشرين درهما . يعني فضة . وكان إذا قرأ : أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا . . . الآية [ الحديد : 16 ] بكى حتّى يرحمه من حضره . وكان إذا فاتته العشاء في جماعة أحيا بقيّة ليلتها . قال الغزالي « 2 » رحمه اللّه : كان ابن عمر رضي اللّه عنه من زهّاد الصحابة وعلمائهم ، وكان يفطر من الصّوم على الجماع قبل الأكل ، وربّما جامع قبل أن يصلّي المغرب ، ثم يغتسل ، وذلك لتفريغ قلبه للعبادة ، وإخراج عدّة الشيطان منه ، حتى إنّه جامع ثلاثا من جواريه في رمضان قبل العشاء .
--> ( 1 ) في ( ب ) والمطبوع : الخبيث لا يكفر الخبيث . ( 2 ) إحياء علوم الدين 2 / 29 باب آفات النكاح وفوائده .