المناوي
138
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
ولم يسمع منه كلمة فحش قطّ إلّا مرّة ، فإنّه بلغه عن عمرو بن عثمان بن عفان رضي اللّه عنهما كلاما فقال الحسن رضي اللّه عنه : ليس له عندنا إلّا ما رغم أنفه . ومرّ بصبيان يأكلون كسرا من الخبز ، فاستضافوه ، فنزل وأكل معهم ، ثم حملهم إلى منزله ، وأطعمهم أنواعا وكساهم ، وقال : اليد لهم ؛ لأنّهم لم يجدوا غير ما أطعموني ، ونحن نجد أكثر ممّا أعطيناهم . وخرج من ماله للّه مرّتين . وقاسم اللّه ماله ثلاث مرّات حتّى إن كان ليعطى نعلا ويمسك أخرى ، ويعطي خفّا ويمسك أخرى . وقيل له : إنّ أبا ذر يقول : الفقر أحبّ إليّ من الغنى ، والسّقم من الصّحّة . فقال : رحم اللّه أبا ذر ، أمّا أنا فأقول : من اتّكل على حسن اختيار اللّه لم يتمنّ غير الحال الذي اختاره اللّه له ، وهذا حدّ الوقوف على الرضا بما تصرّف به القضا . وكان يقول لبنيه وبني أخيه : تعلّموا العلم ، فإن لم تستطيعوا حفظه فاكتبوه وضعوه في بيوتكم . ورأى عيسى ابن مريم عليه السّلام في المنام فقال : أريد أن أتّخذ خاتما ، فما أكتب عليه ؟ قال : أكتب عليه : لا إله إلّا اللّه الملك الحقّ المبين ؛ فإنّه آخر الإنجيل . بويع له بالخلافة بعد قتل أبيه ، فأقام بها ستّة أشهر وأيّاما ، ثم سار لحربه معاوية بن أبي سفيان ، فبايع الحسن رضي اللّه عنه على الموت أربعون ألفا ، فلمّا التقى الجيشان نظر الحسن إليهم أمثال الجبال من الحديد ، فقال : أيقتل هؤلاء بعضهم بعضا في ملك من ملوك الدّنيا لا حاجة لي به . وأرسل إلى معاوية يبذل له تسليم الأمر إليه لا من قلّة ولا من ذلّة على أن تكون له الخلافة من بعده ، وأن يقضي عنه ديونه ، وأن لا يطلب أحدا من أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء ممّا كان أيام أبيه . فأجابه معاوية إلى جميع ذلك واصطلحا ،