المناوي

89

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

فكتب إلى عمر ، فأرسل إليه بطاقة ، فقال : ألقها في البحر ، وفيها من عبد اللّه عمر إلى نيل مصر ، أمّا بعد فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر ، وإن كان اللّه يجريك فأسأل اللّه الواحد القهّار أن يجريك ، فألقى البطاقة فيه ، فزاد في تلك اللّيلة ستّة عشر ذراعا . ومنها : أنّه كان إذا حدّثه أحد بحديث فيكذب الكذبة ، فيقول : احبس هذه . ثمّ يحدّثه بحديث ، فيقول : احبس هذه . فيقول الرجل : كلّ ما حدّثتك حقّ إلّا ما أمرتني بحبسه . حجّ سنة ثلاث وعشرين فلمّا نفر من منّى أناخ بالأبطح ، ثم رفع يديه إلى السّماء ، وقال : اللّهمّ كبر سنّي ، وضعفت قوّتي ، وانتشرت رعيّتي ، فاقبضني إليك غير مضيّع ولا مفرّط ، فما انسلخ ذو الحجّة حتّى قتل شهيدا عن ثلاث وستّين سنة على الأصحّ . وانكسفت الشّمس لموته ، وناحت الجنّ عليه ، طعنه أبو لؤلؤة عبد المغيرة بن شعبة في المسجد لمّا خرج للصلاة بغلس بخنجر له رأسان ، وطعن معه اثني عشر رجلا ، مات منهم ستّة ، فألقى عليه رجل ثوبا ، فلمّا اغتمّ قتل نفسه ، ثم حمل عمر إلى بيته ، وأتى بنبيذ « 1 » . فشربه ، فخرج من جرحه فلم يتبيّن ، فسقوه لبنا فخرج من جرحه ، فقالوا : لا بأس عليك . قال : إن يكن بالقتل بأس فقد قتلت . فجعل النّاس يثنون عليه ، فقال : واللّه لو أنّ لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به من العذاب . وكان رأسه على فخذ ابنه ، فقال : ضعه بالأرض . فقال : وما عليك ، كان على فخذي أو على الأرض ؟ ! فقال : ضعه ، ويلي إن لم يرحمني ربّي . وقال له ابن عبّاس : أبشر يا أمير المؤمنين ، إنّ اللّه مصّر بك الأمصار ، ودفع بك النّفاق . فقال : أبا لإمارة تثني عليّ يا ابن عباس ؟ واللّه لوددت أن خرجت منها كما دخلت فيها لا أجر ولا وزر .

--> ( 1 ) النبيذ : هو ما يعمل من الأشربة من التمر ، والزبيب ، والعسل ، والحنطة ، والشعير ، وسواء كان مسكرا أو غير مسكر ، فإنه يقال له نبيذ . النهاية ( نبذ ) .