المناوي
79
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
ولمّا استطال أبو سفيان والد معاوية يوم أحد على المسلمين بلسانه ، ورفع من شأن أوثانه ، قال المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم : « أجبه يا عمر » « 1 » فخصّه من بين الصّحب لما اختصّ به من الصّولة والمهابة ، وما علمه من ملازمته للتّفريد ، ومحاماته عن معارضة التوحيد ، وأنّه لا ينهنهه عن مصاولتهم العدّة والعديد . ولما ذكر المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم فتّاني القبر ، فقال عمر رضي اللّه عنه : أتردّ إلينا عقولنا يا رسول اللّه ؟ قال : « نعم ، كهيئتكم اليوم » قال : بفيه الحجر « 2 » . وكان إذا أذن في بيته لم يجلس على فراشه إلّا العباس وأبو سفيان بن حرب ، ويقول : هذا عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذا شيخ قريش . وكان مختصّا بالسّكينة في الإنطاق ، محترزا من القطيعة والفراق ، مشتهرا في الأحكام بالإصابة والوفاق ، وقد قيل : التّصوف الموافقة للحقّ في المفارقة للخلق . وناهيك بقول المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم في شأنه مخبرا عن ربّه : « إنّ اللّه جعل الحقّ على لسان عمر وقلبه » « 3 » . وفي حديث أخرجه الترمذي بسند معتبر : « لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر » « 4 » . وكان يقول : اقتربوا من أفواه المطيعين ، واسمعوا منهم ما يقولون ؛ فإنّه يتجلّى لهم أمور صادقة . وكان للمصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم في حياته ووفاته مجامعا ، ولما اختاره له في يقظته
--> ( 1 ) انظر الحلية 1 / 39 . ( 2 ) أخرجه أحمد 2 / 172 ، وابن حبان في صحيحه ، الإحسان 7 / 385 ( 3115 ) ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 3 / 47 : رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجال أحمد رجال الصحيح . ( 3 ) أخرجه الترمذي ( 3682 ) في المناقب ، باب في مناقب عمر بن الخطاب عن ابن عمر ، وأبو داود ( 2962 ) في الخراج والإمارة ، باب في تدوين العطاء . ( 4 ) حديث الترمذي ( 3686 ) في المناقب ، باب مناقب عمر ، ونصّه : « لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب » أما الحديث : « لو لم أبعث . . . » فلم يروه الترمذي ، وإنما رواه ابن عدي في الكامل 3 / 155 ، وابن الجوزي في الموضوعات 1 / 320 .