الحسن بن محمد البوريني

38

تراجم الأعيان من أبناء الزمان

التصوف رائقة ، وعبادات رشيقة فائقة . ودفن في مدفن الأمير سيف الدين بالمدرسة المذكورة . ولقد شاهدت له واقعة ربّما تدلّ على كرامة . وهي أنّه كان له مريد ملازم له مدة طويلة يقال له ناصر بن عبدان . وكان ناصر هذا دنيء المقام في أوّل أمره . فلما اختصّ بخدمة الشيخ المذكور صارت له وجاهة بين الناس . فكان يغلظ الكلام على بعضهم بسبب حضورهم للمصالحة . فأثّر ذلك في خواطر بعض النّاس حتى إن الشيخ نفسه كان ينصحه في ذلك فلم ينتصح . فلزم أنّ خاطر الشيخ تغيّر عليه ، فوقع بينهما كلام أدّى إلى سوء أدب من ناصر في حقّ شيخه . فقال له الشيخ كلاما معناه : يا ناصر ! أنت في حياتي ما عليك خوف ، وإنّما أخاف عليك بعد وفاتي . فقال له ناصر المذكور : أنا بعدك ما أجلس في دمشق . فلما انتقل الشيخ بالوفاة إلى رحمة اللّه تعالى أقلع ناصر عن بعض وقوعه في الناس ، ولكنّ الطبع أغلب . فصدرت ما جرية بين الشيخ عمر القاري والسيد محمد بن المرحوم السيد حسين بن حمزة بسبب وقف بني مزلّق أدّت إلى مخاصمة بينهما . وكان ناصر من أتباع السيّد محمد المذكور . فلم تزل نار هذه الفتنة تشتعل لأمور يطول شرحها حتى أدّت إلى القبض على ناصر المذكور . وجعل القاضي محبّ الدّين قاضيا ، وصدرت « 1 » الدعوى على ناصر بأنّه مفسد في الأرض . وأبرز المدّعي عليه حكمين سلطانيّين بصلبه . وكتب عليه ما شهدت به الشهود الذين أحضروا للشهادة . فصلبه الباشا المذكور تحت قلعة « 2 » دمشق في سنة ثمان بعد الألف . فخطر للناس ما حذره به شيخه في حال حياته ، بل أخبرني بعض

--> ( 1 ) م « صارت » ( 2 ) انظر عن « تحت القلمة » نزهة الأنام للبدري ، ص 62 - 63 ؛ ومعجم الأماكن الطبوغرافية لنا .