الحسن بن محمد البوريني
260
تراجم الأعيان من أبناء الزمان
54 الشيخ أبو الجود البتروني الحلبي هو الشيخ المفتي الحنفي ، ووالده الشيخ عبد الرحمن البتروني . ولد الشيخ أبو الجود المذكور بمدينة حلب الشهباء ، ونشأ بها متلبّسا بخرقة العلم طالبا أن يكون معدودا في العلماء ، لكنه تزبّب وهو حصرم ، وتكبّر فوق قدره ، وتاه على أبناء نوعه . وطار إلى الدرجة العالية قبل استحقاقه لها . وأما فتواه في مدينة حلب فهي من مداهنة قضاة السوء على الحقّ . يرد إلى حلب بعض القضاة ثم يعزل ، فيأتي إليه بعد عزله بأبّهة عظيمة : أما العمامة فتنازع القبّة كبرا ، وأما الأكمام فإنها تكنس في الطريق ما تمرّ عليه . وإذا مرّ في طريق رفع يديه من الجهتين ويستمر رافعا لهما ( 71 ب ) كل ذلك لتقبيل العوام لهما . فإذا رآه القاضي واردا بهذه الهيئة استعظمه في نفسه . فإن كان القاضي جاهلا زخرف عليه الكلام ، وموّه عليه في المرام . ويأخذ منه عرضا في أنه مستحق لمنصب الفتوى وأنّه من الفضل في الرتبة القصوى ، وإن كان عالما أعطاه ما يعمي عينيه من الأموال فيأخذ منه عرضا كذلك . ويرسل العرض إلى باب السلطنة مع رجل بصير بأمور الدهر يقال له ابن الأعمى ، ويرسل معه مالا كثيرا وهديّة عظيمة . فيدخل على قوم غشام « 1 » ليس لهم فهم ولا اطلاع على حقائق الماهيّات ، ومعه العرض الذي يسأل عنه صاحبه يوم العرض ، ومعه المال الذي يعمي العيون ويسدّ منافذ البصائر . فيخرج حكما بأنّ أبا الجود أهل لمنصب الفتوى ، لا سيما وليس في حلب من أهلها من
--> ( 1 ) ه ، ب « أغتام »