الحسن بن محمد البوريني

مقدمة 24

تراجم الأعيان من أبناء الزمان

ليست التراجم بالشيء الجديد الذي ابتكره البوريني . فقد سبقه في هذا الفن كثيرون كابن خلّكان الذي بلغ فيه الذروة في التحرير والتنقيح ، وكالذهبيّ والصفديّ وابن حجر والسخاوي وابن طولون الدمشقي . وتبعه كثيرون أيضا كالغزّي والمحبي والمرادي فكيف كانت طريقته في الترجمة ؟ لقد تفرّد البوريني بشيء ما نحسب أن أحدا شاركه فيه ، هو أن شخصيّته كانت مركز التراجم كلّها . فلقد ترجم على الأغلب لأناس عاصروه . خالطهم وخالطوه ، وكاتبهم وكاتبوه ، وحدّثهم وحدّثوه . فسجّل الأمور التي رآها وسمعها وعاش فيها وخصّ بالعناية منها ما اتصل بشخصه هو . فكان يترجم لهم لكنّه في الحقيقة يترجم لنفسه أيضا . كل ترجمة تنعكس فيها صورتان . وكلّما كانت صلاته بالمترجم له قويّة متينة رأينا الصورتين واضحتين . لذلك كانت تراجمه ، في رأينا ، مملوءة بالحياة ، قريبة إلى النفس ، رغم السجع المملّ أحيانا ، أكسبتها ( أنا ) حرارة ودفئا . على حين نجد تراجم الماضين من المؤرخين جافة أحيانا ، باردة ثقيلة الظلّ أحيانا أخرى . نقرأها بمشقة ولا نحسّ أيّ اتصال بيننا وبينها . ويكاد المرء يخيّل اليه ، في أحيان كثيرة ، أنه يقرأ في تراجم البوريني مذكرات شخصيّة عن الناس والحوادث . فقد كان البوريني لا يكتب الترجمة مرة واحدة ، بل مرّات ، وعلى فترات متباعدة . ومن هنا جاء تشبيهنا إيّاها بالمذكرات . لقد بدأها في سنة 1009 كما ذكرنا . وكان يضيف إلى بعض تراجمها ما يستجدّ من الحوادث أو الأخبار المتّصلة بصاحبها ، كما كان يضيف تراجم جديدة لمن كان يعرفه أو يتّصل به . ونجد كثيرا من تاريخ الحوادث المثبتة ، أو الأخبار المضافة مثبتا .