الحسن بن محمد البوريني
164
تراجم الأعيان من أبناء الزمان
بلاد الروم طالبا للقضاء - فأدركه ، وصادفه في طريقه الذي سلكه لزم أن ينهض إلى قسطنطينيّة ليتناول ما خلف والده من المال ، ويسعى على منصب [ له ] « 1 » يكون سبب الإكرام والإجلال . فاشتهر صيته بين موالي الروم . وأدركه من العزّة ما كان يطلب ويروم . بحيث ان المفتي الأعظم شيخ الاسلام « 2 » مولانا زكريا أفندي الآتي ذكره إن شاء اللّه تعالى جعله ملازما منه على قاعدة علماء تلك الديار . وفي ذلك رفعة عظيمة عند أرباب الاعتبار . فبينما هو في تلك المقامات رفيعا ، ساكنا حصنا من المجد منيعا ، اختلط عقله ، وضاع فضله ، وصار يخلط في كلامه ، ويخبط في نظامه ، فوضعوه في دار الشفا ، وفرح بحالته الحاسد « 3 » واشتفى . وزادت به هذه الأحوال ، وداخلته منها الأهوال ، فلزم إرساله إلى بلاده مربوطا ، وأصبح كماله كحاله ليس مضبوطا . ووصل إلى دمشق في زنجير وثيق ، فتارة يغيب وآونة يفيق ، ولقد دخلت عليه مسلّما ، وله من الدهر متظلما . فرأيته في سلسلة طويلة الذيل ، فأسبلت دموعي كالسيل ، حزنا عليه ، وشوقا اليه ، لأنه كان يراسلني بقصائده ، ويطارحني بفوائده ( 41 جهنىّ ) وكنت أجيبه عن رسائله ، وأحقق جميع دلائله . فقال لي وهو في تلك الحال ، متمثلا على سبيل الارتجال ، مشيرا إلى سلسلته التي منعته من التردد والمسير ، وصيرته في صورة الأسير « 4 » : إذا رأيت عارضا مسلسلا * في وجنة كجنّة يا عاذلي فاعلم يقينا أننا من أمّة * تقاد للجنّة بالسلاسل وصار يكلّمني بكلام لطيف ، خال عن التخليط والتخريف . ويشير
--> ( 1 ) الزيادة من ه ، ب ( 2 ) ما بين الخطين ساقط من ه ، ب ( 3 ) ه « الحسود » ( 4 ) ه ، ب « الأمير »