الحسن بن محمد البوريني
مقدمة 19
تراجم الأعيان من أبناء الزمان
الناس كان أكثر بكثير من ذمّه لهم . حتى صار مدحه عند حاسديه موضع تندّر وسخرية ، وحتى نسب إلى النفاق للكبار . ولعلّ إقامته بدمشق ساعدته على استثمار ثقافته . فهو فلسطينيّ الأصل . ودمشق معروفة منذ القديم بحب الغريب عنها . شهد بذلك ابن جبير وابن بطوطة وغيرهما . وكم فتحت صدرها للغرباء عنها ، وكم لقي هؤلاء فيها من التكريم والتقديم ما لم يلقه أبناؤها . وقد صبغت تلك الثقافة الواسعة صاحبنا بصبغة العالم الحق . يذكر الغزّي أنّ البوريني كان « منصفا في البحث ، معترفا لأهل الفضيلة ، ليس في مباحثته غيظ ولا حقد ولا تغليظ ، بل مباحثته نظيفة لا تخلو من فائدة . » وهذه صفات المثقف العالم حقا . وبرغم سعة ثقافته كان « لا يملّ المذاكرة مع العلماء » ، وبرغم ذيوع صيته « كان يرجع إلى شيخه » في كثير من المسائل . ما ذا كانت الثمار العلميّة لهذه الثقافة ؟ لقد أخذ كثيرا من الكتب ومن الشيوخ فما ذا أعطى ؟ 1 - لقد أتيح له أن يقرئ كثيرا من الطلّاب أصولا هامة . فنحن نرى من خلال تراجم الأعيان أنه أقرأ « مقامات الحريري » و « الشرح المختصر للتفتازاني على متن التلخيص » و « الآجرّومية » في النحو ، و « شرح ابن عقيل » على ألفية ابن مالك ، و « شرح الشذور » لابن هشام ، و « متن العزي » في التصريف و « جمع الجوامع » في الأصول للمحلّي ، و « شرح منهاج النووي » في الفقه ، و « شرح المواقف » للجرجاني ،