الحسن بن محمد البوريني

93

تراجم الأعيان من أبناء الزمان

إلى أن انحنى غصن قدّه ومال . فسكن مرّة في مسجد هشام ابن عبد الملك « 1 » في جهة سوق جقمق . ثم ارتحل إلى المدرسة البادرائية « 2 » واستمرّ بها مجاورا في حجرة إلى أن مات بها إلى رحمة اللّه . . . وكان يتعمّم بالصّوف الذي يقال له المئزر . ولم يتزوج في عمره ولم يضاجع قرينة تشغله عن صفاء فكره ، في نظمه أو نثره ، وكان متقلّلا في المطعم واللباس . منقبضا في الغالب عن مخالطة الناس « 3 » وكان الغالب عليه الاستيحاش من الأنام ، وينفرد في غالب وقته كالطير الوحدانيّ في الظلام . وكان يكتب الخطّ الحسن . وينطق باللفظ المكيّ المستحسن ، وينظم من الشعر ما يزري بزهر الخمائل ، ويزهو على فرند السيف إذا أبرزته الصياقل . ويأتي فيه بكل معنى بديع ، ويبرز فيه من بدائع البديع ، ما يعلو على زهر الربيع . وكانت عادته في كلّ يوم على الصباح . أن يجيب في الغالب « 3 » داعي الفلاح ، ثم يسير إلى بيت من بيوت القهوة ، يكون فيه الماء الجاري مع المليح الساقي والجلوة . ويشرب من قهوة « 3 » البنّ أقداحا ، ويرتاح بها كأنه عاقر راحا ، ثم يشرع في الكتابة ، ولا يبدي لأحد في الغالب خطابه . وكان في الغالب يقضّي نهاره حيث كان وقف الصباح . ولا يزول منه في الغالب إلّا إذا راح في الرّواح . وربما كان يبيت هناك . ويقول لقلبه « 3 » خذ من العيش ما هناك . وكان قليل التكسب بأشعاره . وكان « 3 » إذا مدح أحدا لا يذهب إلى داره ، بل يرسل مدحه إلى بعض توابعه ، راجيا بالإشارة شيئا من منافعه ، وكان يدخل

--> ( 1 ) لا يزال هذا المسجد قائما . وكان محله يسمّى الفسقار ( انظر تاريخ مدينة دمشق ، تحقيقنا ، القسم الأول من المجلدة الثانية ص 57 رقم 16 ) ونسبته إلى هشام ابن عبد الملك غير صحيحة . ( 2 ) انظر النعيمي 1 : 205 . ( 3 ) ما بين الخطين ساقط من ه .