الحسن بن محمد البوريني

81

تراجم الأعيان من أبناء الزمان

هذا وقد وقفت على هذه الرسالة وقوف وامق على مرابع عذراء ، وأجلت طرف طرفي في مضمار بلاغتها إجالة ابن عباد « 1 » لحظه في مراتع الزهراء ، ونادمتها والليل مرخ ستوره . كأني جميل زار ربع بثينه . فما زلت اغترف من حياضها واقتطف من رياضها ، راويا عنها غيث الأدب الذي انسجم ، ناقلا عنها لفصحاء العرب ما يزري بلامية العجم قائلا للّه درّ مؤلفها : فلقد فتح من البلاغة بابا مقفلا ، ومنح من صحاح ألفاظه لأهل الأدب مجملا ومفصّلا . وسلك طريقا بديعا يعجز عن سلوكه البديع ، واستباح بجيش أفكاره من معاقل البلاغة الحمى المنيع . ودخل بابا من الأدب ما لأحد به طاقة . وامتطى صهوة جواد ما أدرك الفاضل لحاقه . له الكلم الغرّ التي لو تجسمت * لكانت لوجه الدهر عينا وحاجبا فللّه ما اشتملت عليه من التلميح الذي ينقص عنده أبو تمام . وما تضمّنته من التلميح الذي يعبّس منه ابن بسّام . بيد أنّها ترجمت عن أوصاف صادقة على موصوف ، وحدّثت عن اعتراف من هو بالمنكر معروف . فتعجبت من بعد المبنى عنه مع قرب المعنى . وأفكرت في كمال يجتمع مع النقص ، في منزل ومغنى . فقلت : أمّا الأوصاف فإنّها عليه صادقه ، وأما الألفاظ فانّها بفضيلته غير لائقه . فعلمت أنّ ذلك كما يحكى عن أبي زيد . الذي كان تعارجه لكيد وصيد . ومن أين هذه التراكيب لمن انحل تركيبه ، واختل ما بين أهل الكمال ترتيبه . وأين الثّريّا وأين الثرى * وأين الحسام من المنجل ولعمري لقد حدّث عنه لسان الرسالة فأبان من الكثير قليلا ،

--> ( 1 ) يعني المعتمد بن عبّاد الأندلسي