أبي بكر بن هداية الله الحسيني
194
طبقات الشافعية
ومجاراة الخصوم اللد ومناظرة الفحول ، ومناطحة الكبار ، فأقبل النظام عليه وعظّمه وسلّم إليه أمورا ، فعظمت منزلته وانتشر صيته في الآفاق . وندب للتدريس بنظامية بغداد ، فنفذت كلمته وعظمت حشمته ، حتى علت على حشمة الأمراء والوزراء والكبار ، وضرب به المثل وشدّت إليه الرحال ، ثمّ إنه ترك جميع ما كان فيه سنة 488 ه ، وأقبل على العبادة والسياحة ، فخرج إلى الحجاز فحج ورجع إلى دمشق ، وأقام بها عشر سنين بمنارة الجامع ، وصنّف بها كتبا قيل منها : « الإحياء » ، ثم توجه إلى القدس والإسكندرية ، ثم عاد إلى وطنه طوس ، فأقبل على التصنيف والعبادة والملازمة للتلاوة ونشر العلم . ثم إن الوزير فخر الدين بن نظام الملك ، حضر إليه ودعاه إلى نظامية نيسابور وألح عليه ، فأجابه وأقام بها مدة ، ثم تركها وعاد إلى وطنه على ما كان عليه ، وبنى إلى جواره خانقاه للصوفية ، ومدرسة للمشتغلين بالعلم ، ولازم الانقطاع ، ووزّع أوقاته على وظائف الخير بحيث لا يمضي عليه لحظة منها إلا هو في طاعة من تلاوة القرآن والتدريس والنظر في الأحاديث خصوصا البخاري ، وإدامة القيام والتهجد ، وملازمة أهل القلوب . قال الأسنائي في ترجمة الغزالي وقد أفرده بباب في حرف الغين المعجمة : « كان التقوى دأبه وديدنه ، حتى انتقل إلى رحمة اللّه ؛ وهو قطب الوجود والبركة الشاملة لكل موجود ، وروح خلاصة أهل الإيمان والطريق الموصلة إلى رضاء الرحمن ، يتقرب به