تقي الدين الغزي

235

الطبقات السنية في تراجم الحنفية

وكان داود ممّن شغل نفسه بالعلم ، ودرس الفقه وغيره من العلوم ، ثم اختار بعد ذلك العزلة والانفراد والخلوة ، ولزم العبادة ، واجتهد فيها إلى آخر عمره . وقدم بغداد في أيّام المهدىّ ، ثم عاد إلى الكوفة ، وبها كانت وفاته . قال ابن عيينة في حقّه : كان داود الطّائىّ ممّن علم وفقه . قال : وكان يختلف إلى أبي حنيفة ، حتى نفذ في ذلك الكلام . قال : فأخذ حصاة فحذف بها إنسانا ، فقال له : يا أبا سليمان ، طال لسانك ، وطالت يدك ! ! قال : فاختلف بعد ذلك سنة لا يسأل ولا يجيب ، فلمّا علم أنه يصبر ، عمد إلى كتبه فغرّقها في الفرات ، ثم أقبل على العبادة وتخلّى . قال الوليد بن عقبة الشّيبانىّ : لم يكن في حلقة أبي حنيفة أرفع « 1 » صوتا من « 1 » داود الطّائىّ ، ثم إنه تزهّد ، واعتزلهم ، وأقبل على العبادة . قال عطاء : كان « 2 » لداود الطّائىّ ثلاثمائة درهم ، فعاش بها عشرين سنة ينفقها على نفسه . قال : وكنّا ندخل عليه فلم يكن في بيته إلّا باريّة « 3 » ، ولبنة يضع عليها رأسه ، وإجّانة « 4 » فيها خبز ، ومطهرة يتوضّأ منها ، ومنها يشرب . وقال أبو سليمان الدّارانىّ : ورث داود الطائىّ من أمّه دارا ، فكان ينتقل في بيوت الدّار ، كلّما خرب بيت من الدّار انتقل منه إلى آخر ولم يعمّره ، حتى أتى على عامّة بيوت الدار . قال : وورث من أبيه دنانير ، فكان يتقوتها حتى كفّن بآخرها .

--> ( 1 - 1 ) في م : « من صوت » ، والمثبت في : ط ، وفي أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيمري 109 . ( 2 ) سقط من : ط ، وهو في : ن ، وتاريخ بغداد 8 / 348 . ( 3 ) البارية : الحصير المنسوج . ( 4 ) الإجانة : إناء يغسل فيه الثياب .