تقي الدين الغزي
179
الطبقات السنية في تراجم الحنفية
الكتاب إلى بلخ سمع به أبو مطيع ، فقام فزعا ، ودخل على والى بلخ ، فقال له : بلغ من خطر الدنيا أنّا نكفر بسببها . وكلّمه مرارا ، وعظه حتى أبكاه ، فقال : إنّى معك فيما تراه ، ولكنّنى رجل عامل ، لا أجترئ بالكلام ، فتكلّم وكن آمنا ، وقل ما شئت . فلمّا كان يوم الجمعة ذهب أبو مطيع إلى الجامع ، وقد قال له سلم « 1 » بن سالم : إنّى معك . وقال له أيضا أبو معاذ : إنّى معك . وجاء سلم إلى الجمعة متقلّدا بالسيف ، ثم لمّا اجتمع الناس وأذّن المؤذّن ، ارتقى أبو مطيع إلى المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلّى على النبىّ صلّى الله عليه وسلّم ، وأخذ بلحيته فبكى ، وقال : يا معشر المسلمين ، بلغ من خطر الدنيا أن تجرّ إلى الكفر ، من قال : وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا لغير يحيى بن زكريّا فهو كافر . فرجّ أهل المسجد بالبكاء ، وقام الحرسيّان فهربا . وقال ابن المبارك في حقّه « 2 » : أبو مطيع له المنّة على جميع أهل الدنيا . وقال محمد بن الفضل البلخىّ « 3 » : مات أبو مطيع وأنا ببغداد ، فجاءنى المعلّى بن منصور ، فعزّانى فيه ثم قال : لم يوجدها هنا منذ عشرين سنة مثله . وقال مالك بن أنس لرجل : « 4 » من أين أنت ؟ قال : من بلخ . قال : قاضيكم أبو مطيع قام مقام الأنبياء . قال بعضهم : « 5 » رأيت أبا مطيع في المنام ، وكأنّى قلت له : ما فعل بك ؟ فسكت حتى ألححت « 6 » عليه ، فقال : إنّ الله قد غفر لي وفوق المغفرة . قال : فقلت : ما حال أبى معاذ ؟ قال : الملائكة تشتاق إلى رؤيته . قال : فقلت : غفر الله له ؟ قال لي : من تشتاق الملائكة لرؤيته لم يغفر الله له « 7 » .
--> ( 1 ) في الأصول هنا وفيما يأتي : « سالم » ، والتصويب من تاريخ بغداد ، وقد ترجمه القرشي في الجواهر المضية برقم 621 ، ولم يزد على أن قال : « من أقران أبى مطيع وأبى معاذ » . ( 2 ) تاريخ بغداد 8 / 224 . ( 3 ) جاء في تاريخ بغداد 8 / 223 : « سمعت ابن فضيل - يعنى محمدا البلخي » ثم ساق الخبر وتكرر بعد هذا ذكر محمد ابن فضيل في أخبار أبى مطيع هذا . ( 4 ) تاريخ بغداد 8 / 224 . ( 5 ) هو شوذب بن جعفر . كما في تاريخ بغداد 8 / 223 ، 224 . ( 6 ) في الأصول : « ألحيت » وهذه طريقة المتأخرين للتخلص من الفك ، والمثبت في تاريخ بغداد . ( 7 ) تكملة من تاريخ بغداد .