تقي الدين الغزي

110

الطبقات السنية في تراجم الحنفية

وممّن قرأ عليه ثمّ الشّمس / الوزيرىّ الخطيب ، وأثنى « 1 » ، هو وغيره ، على فضائله « 2 » وتحقيقه . قال السّخاوىّ : والفنرىّ لقب لجدّ أبيه ؛ لأنه فيما قيل أوّل ما قدم على ملك الرّوم أهدى له فنارا ، فكان إذا سأل عنه يقول : أين الفنرىّ ؟ فعرف بذلك . وذكره في « الشّقائق النّعمانيّة » ، فقال : حسن چلبى بن محمد شاه الفنرىّ ، كان ممّن جمع بين وظيفتى العلم والعمل ، وكان يلبس الثّياب الخشنة ، ولا يركب دابّة ، ويحبّ المساكين ، ويعاشر الفقراء ، ويلبس العباءة ، ويسكن في بعض الحجر بمدرسته . وولى تدريس الحلبيّة بأدرنة ، ثم أستأذن السّلطان محمدا في التّوجّه إلى الدّيار المصريّة ، لقراءة كتاب « مغنى اللّبيب » ، لابن هشام ، على بعض المغاربة هناك ، فأذن لكن لا عن رضاء تامّ ، بل نسبه إلى خفّة العقل ، حيث يترك التدريس ويتوجّه للقراءة على الغير ، فلمّا دخل مصر كتب « المغنى » بتمامه ، وقرأه على المغربىّ المذكور ، وأجاز له بعض تلامذة ابن حجر ، وقرأ عليه « صحيح البخارىّ » . ثم حجّ ، وعاد إلى الدّيار الرّوميّة ، وأرسل كتاب « مغنى اللبيب » إلى السلطان محمد ، فلمّا نظر فيه أعجبه ، وزال ما عنده من التّكدّر ، وأعطاه مدرسة إزنيق ، ثم إحدى المدارس الثّمان ، وأقام بها يلقى الدروس ، ويسرّ بفوائده النّفوس ، ملازما للتّواضع وخفض الجانب ، متلقّيا ما يجئ من عند اللّه بالقبول ، راغبا في ثواب الآخرة ، معرضا عن الدنيا بكلّيّته . حكى عنه بعض أصحابه « 3 » أنّه قال : دخلت عليه يوما ، فوجدته يبكى بكاء شديدا ، فسألته عن سبب بكائه ، فقال : خطر ببالي أنّه لم يحصل لي ضرر دنيوىّ منذ ثلاثة أشهر ، وقد سمعت من الثّقات أنّ الضّرر إذا توجّه إلى الآخرة تولّى عن الدنيا ، فلذلك بكيت . قال : فبينا نحن « 4 » في الكلام إذ دخل عليه أحد غلمانه وهو مضطرب المزاج ، فقال له : ما الخبر ؟ فقال : سقطت البغلة من تحتى فماتت . فحمد الله تعالى وشكره ، وأعتق الغلام من ساعته .

--> ( 1 ) في ط ، ن بعد هذا زيادة على ما في س والضوء : « عليه » . ( 2 ) في س : « فضيلته » . والمثبت في : ط ، ن ، والضوء . ( 3 ) هو المولى محيي الدين الشهير بسيدى جلبي ، وكان معيدا له . انظر الشقائق 1 / 289 . ( 4 ) في ن زيادة : « كذلك » ، وفي الشقائق : « وبينا نحن في هذا الكلام »