عبد الوهاب الشعراني

224

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

فيه الدعاء فأشار على بعض الأولياء بالتستر بالفقه وقال استر الطريق فإن هذا ما هو زمانها فلم أكد أتظاهر بشيء من أحوال القوم إلى وقتي هذا . وحكى لي يوما أمره من حين جاء إلى مصر إلى وقت تلك الحكاية وقال أحكي لك أمري من ابتدائه إلى انتهائه إلى وقتنا هذا حتى تحيط به علما كأنك عاشرتني من أول عمري فقلت له نعم فقال جئت من البلاد وأنا شاب فلم أعكف على أحد من الخلق ولم اعلق قلبي به وكنت أجوع في الجامع كثيرا فأخرج بالليل إلى قشر البطيخ الذي كان بجانب الميضأة وغيرها فأغسله وآكله إلى أن قيض اللّه لي شخصا كان يشتغل في الطواحين فصار يتفقدني ويشتري لي ما أحتاج إليه من الكتب والكسوة ويقول يا زكرياء لا تسأل أحدا في شيء ومهما تطلب جئتك به فلم يزل كذلك سنين عديدة فلما كان ليلة من الليالي والناس نيام جاءني وقال لي قم فقمت معه فوقف لي على سلم الوقاد الطويل وقال لي اصعد هذا فصعدت فقال لي اصعد فصعدت إلى آخره فقال لي تعيش حتى يموت جميع أقرانك وترتفع على كل من في مصر من العلماء وتصير طلبتك شيوخ الإسلام في حياتك حين يكف بصرك فقلت ولا بدّ لي من العمي قال ولا بدّ لك ثم انقطع عني فلم أره من ذلك الوقت ثم تزايد على الحال إلى أن عزم على السلطان بالقضاء فأبيت وقال أن أردت نزلت ماشيا بين يديك أقود بغلتك إلى أن أوصلك إلى بيتك فتوليت وأعانني اللّه على القيام به ولكن أحسست من نفسي أن تأخرت عن مقام الرجال فشكوت إلى بعض الرجال ما ثم إلا تقديم إن شاء اللّه تعالى فإن العبد إذا رأى نفسه متقدما فهو متأخر وإن رأى نفسه متأخرا فهو متقدم فسكن روعي وقال رضي اللّه عنه ما كان أحد يحملني كما يحملني السلطان قايتباي كنت أحط عليه في الخطبة حتى أظن ما عاد قط يكلمني فأول ما أخرج من الصلاة يتلقاني ويقبل يدي ويقول جزاك اللّه خيرا فلم تزل الحسدة بنا حتى أوقعوا بيننا الوقعة وكان مالسكا لي الأدب ما كلمني كلمة تسوءني قط ولقد طلعت له مرة فأغلظت عليه القول فاصفر لونه فتقدمت إليه قلت له واللّه يا مولانا إنما أفعل ذلك معك شفقة عليك وسوف تشكرني عند ربك وإني واللّه لا أحب أن يكون جسمك هذا فحمة من فحم النار فصار ينتفض كالطير . وكنت أقول له أيها الملك تنبه لنفسك فقد كنت عدما فصرت وجودا وكنت رقيقا فصرت حرا وكنت مأمورا فصرت أميرا وكنت أميرا فصرت ملكا فلما