عبد الوهاب الشعراني
212
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
أيها الفقهاء ومن طلب إيضاح ذلك فليبرز إلى أتكلم معه فسكتوا فأخذ بيد إبراهيم رضي اللّه عنه فلم يتبعهما أحد وكان الذي تولى جمع الناس وشن الغارة عليه العلائي الحنفي وقال هذا يتكلم في الماهية وذلك لا يجوز ثم إن الفقهاء لحقوا سيدي محمدا يترضون خاطره فقال لهم الطريق ما هي كلام كطريقكم إنما هي طريق ذوق فمن أراد منكم الذوق فليأت أخليه وأجوعه حتى أقطع قلبه وأرقيه حتى يذوق وإلا فليكف عن هذه الطائفة فإن لحومهم سم قاتل وكان رضي اللّه عنه يقول السالكون ثلاثة : جلالي وهو إلى الشريعة أميل وحمالي وهو إلى الحقيقة أميل وكمالي جامع لهما على حد سواء وهو منهما أكمل وأفضل وكان رضي اللّه عنه يقول حد الصفات مشتمل على النفي والإثبات على حد كلمتي الشهادتين سواء فإن نظرت إليها من حيث عدم الذات بها وهو طرف النفي . قلت ليست هي هو كلا إله وإن نظرت إليها من حيث تعلقها بالذات وهو طرف الإثبات قلت : ولا غيره كإلّا اللّه فلا يجوز الوقف عند قوله ليست هي هو كما لا يجوز الوقف عند قوله لا إله حذرا في الأول من إثبات الغيرية المحضة لصفات اللّه تعالى وفي الثاني حذرا من النفي المحض لذات اللّه تعالى هذا حكم كل كلام متعدد اللفظ متحد المعنى وذلك أن الكلمات المنطبقة على معنى واحد مرتبط بعضها ببعض كقولهم ليست هي هو ولا غيره فلا يجوز التكلم على بعض منها دون بعض لأن ذلك مما يخل بالمعنى من حيث إنه يتكلف لجزء الكلام معنى آخر وهذا مما يفسد نظام الكلام ويحرفه عن سبيل الاستقامة . وكان يقول إنما أوجد العالم أجساما وجواهر وأعراضا نقيض ما هو موصوف به ليعلمنا بالفرق بيننا وبينه وقد استوى على العرش بقدمه وبذاته وعلى جميع الكون بعلمه وصفاته قلت : وفي قوله وبذاته نظر فإن الذات لا يصح في حقها استواء كما أجمع عليه المحققون وإنما يقال استوى تعالى بصفة الرحمانية على العرش فرحم بذلك الاستواء جميع من تحت العرش إما مطلقا وإما رحمة مغياة بغاية كرحمة إمهال الكفار بالعقوبة في دار الدنيا واللّه أعلم ، وكان رضي اللّه عنه يقول في معنى قول حجة الإسلام : ليس في الإمكان أبدع مما كان : أي ليس في الإمكان أبدع حكمة من هذا العالم يحكم بها عقلنا بخلاف ما استأثر اللّه تعالى بعلمه وبإدراكه وأبدعيته خاصة به فهو أكمل وأبدع حسنا من هذا العالم بالنسبة إليه تعالى وحده فلو كان هذا العالم