عبد الوهاب الشعراني

202

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

ثم يطحن ويخلي للناس بعده الدقيق من قمحه ولم يأكل فراخ الحمام الذي في أبراج الريف إلى أن مات . وكان والدي رحمه اللّه تعالى يأتيه بفتاوى العلماء بحله فيقول : يا ولدي كل من الخلق يفتي بقدر ما علمه اللّه عز وجل ثم يقول : يا ولدي إنها تأكل الحب أيام البذار ويطيرونها بالمقلاع ولذلك يعملون لها أشياء تجفلها في الجرون ولو كان الفلاحون يسمحون بما يأكله الحمام ما فعلوا شيئا مما ذكرناه . ثم بالغ فتورع عن أكل العسل النحل وقال إني رأيت أهل الفواكه ببلادنا يطيرون النحل عن زهر الخوخ والمشمش وغيرهم ولا يسمحون بأكل أزهارهم فقال له والدي رحمه اللّه تعالى أما قال اللّه تعالى المالك الحقيقي كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ « 1 » فقال الثمرات المملوكة أم المباحة ؟ فسكت والدي ثم قال له والدي إن كل تفيد العموم فنحن على العموم فقال الخاص مقدم على العام وقد حرم اللّه عليك أن ترعى بقرتك في زرع الناس بغير رضا هم ثم تشرب لبنها فكشف والدي رحمه اللّه رأسه واستغفر وقال مثلي لا يكون معلما لك يا سيدي وكان يقرئ الأطفال ولا يدخل جوفه قط شيئا من ناحيتهم ولا من ناحية آبائهم حتى في أيام الغلاء كان يجوع ويطعم ذلك لأرامل البلد وأيتامها وكان عنده موهبة معلقة في سقف الزاوية كل صغير فضل من خبزة شيء يضعه فيها قال عمي الشيخ عبد الرحمن فكانت تملأ كل يوم وكان الأطفال نحو مائة نفس فيرسل العرفاء بقفف صغار بعد العشاء تفرقة على مساكين البلد وأوقات هو بنفسه وإذا كان الزمان زمان رخاء يترصد المراكب التي ترسي من قلة الريح بساحل بلده فيرسله لهم مع الجبن والفول الحار ومعهما مهما وجد وكان لا يأكل قط من طعام فلاح ولا شيخ بلد ولا مباشر ولا أحد من أعوان الظلمة من منذ وعى على نفسه وقد إليه مرة رجل قباني في بولاق طعاما فلم يأكله فقال يا سيدي هذا حلال هذا من عرقي فقال لا آكل من طعام من يمسك الميزان لعدم تحريرها في الغالب على وجه الخلاص . وسمعت شيخنا شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رضي اللّه عنه كان جدك من إخواني في الجامع الأزهر وكان يضرب بي وبه المثل في شدة الاجتهاد وصيام النهار وقيام الليل بنصف القرآن كل ليلة وكان يفوقني في الورع فإنه لم يأكل من طعام مصر قط ، ويقول : سمعت أخي إبراهيم المتبولي رضي اللّه عنه يقول : طعام مصر سم في الأبدان وكذلك كان لا يشرب من ماء محمول على يد غيره من البحر أبدا بل كان يأخذ له جرة ويذهب إلى بحر النيل فيملؤها ويشرب منها حتى تفرغ وكنا نتعامل عليه ونحن شباب فنشربها جميعا في الليل ونقول

--> ( 1 ) سورة النحل : الآية 69 .