عبد الوهاب الشعراني

191

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

عنده فقال لفقير يوما ما منعك يا ولدى عن الحضور فقال الحضور إنما هو مطلب لمن عنده كسل ليتقوى لغيره وأنا بحمد اللّه ليس عندي كسل فأخرجه الشيخ وقال مثل هذا يتلف الجماعة ويصير كل واحد يدعى بدعواه فيختل نظام الزاوية وشعارها . وخرج فقير يوما من الزاوية فرأى جرة خمر مع إنسان فكسرها فبلغ الشيخ رضي اللّه عنه ذلك فأخرجه من الزاوية وقال ما أخرجته لأجل إزالة المنكر « 1 » ، وغنما هو لإطلاق بصره حتى رأى المنكر لأن الفقير لا يجاوز بصره موضع قدميه ، ووقع ان ثور الساقية انطلق يوما فأكل من طحين الفقراء فذبحه الشيخ « 2 » ، وقال قد صار الماء الذي يملؤه لوضوء الناس فيه شبهة رضي اللّه عنه . وكان الشيخ عبادة أحد أعيان السادة المالكية ينكر على سيدي مدين رضي اللّه عنه ويقول : أيش هذه الطريق التي يزعم هؤلاء نحن لا نعرف إلا الشرع فلما انقلب بعض أصحاب الشيخ عبادة إلى سيدي مدين رضي اللّه عنه صحبوه وتركوا حضور درسه ازداد إنكارا فأرسل سيدي مدين وراءه دعوه إلى حضور مولده الكبير الذي يعمل له في كل سنة فحضر فقال الشيخ رضي اللّه عنه لا أحد يتحرك له ولا يقوم ولا يفسح له فوقف الشيخ عبادة في حصن الزاوية حتى كاد يتمزق من الغيظ ساعة طويلة ثم رفع سيدي مدين رضي اللّه عنه رأسه وقال أفسحوا للشيخ عبادة فأجلسه بجانبه ثم قال له سؤال حضر فقال الشيخ عبادة رحمه اللّه تعالى سل فقال هل يجوز عندكم القيام للمشركين مع عدم الخوف من شرهم فقال لا فقال سيدي مدين رضي اللّه عنه باللّه عليك ما تكدرت حين لم يقم لك أحد فقال نعم فقال لو قال لك إنسان لا ارضى عليك إلا إن كنت تعظمنى كما تعظم ربك ما ذا تقول له قال أقول له كفرت فدارت فيه الكلمة فانتصب قائما على رؤوس الأشهاد وقال ألا اشهدوا أنني قد أسلمت على د سيدي مدين رضي اللّه عنه وهذا أول دخولي في دين الإسلام ولم يزل في خدمة سيدي مدين رضي اللّه عنه إلى أن مات رحمه اللّه تعالى ودفن في تربة الفقراء .

--> ( 1 ) المفروض في المسلم إزالة المنكر لحديث النبي صلى اللّه عليه وسلم ( من رأى منكم منكرا فليزله بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) . ( 2 ) الجزاء لا يوقع على الحيوان ولكن يضمن صاحبه ما أتلفه .