عبد الوهاب الشعراني

83

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

76 - ومنهم زيد القائي رضي اللّه عنه : كان ورعا زاهدا ذا هيبة يراه الرجل فيرجف فؤاده من هيبته ، وكان قد قسم الليل أثلاثا ثلثا عليه والثلثين على أخويه فكان يقوم ثلثه ثم يجئ إلى أخيه فيركضه برجله فيجده كسلان لا يقوم فيقول له نم أنا أقوم عنك فيقوم ثم يأتي إلى أخيه الآخر فيقول له قم فيجده كسلان فيقول له نم أنت الآخر أنا أقوم عنك فكان يقول الليل كله . توفى رضى اللّه عنه سنة اثنتين وعشرين ومائة . 77 - ومنهم منصور بن المعتمر رضي اللّه عنه : كان الثوري رضي اللّه عنه يقول لو رأيت منصورا وهو واقف يصلي لقلت إنه يموت الساعة فكانت لحيته تلصق بصدره وكان يقوم الليل على سطح داره فلما مات قالت ابنة جاره لأبيها يا أبت أين ذلك العمود الذي كان فوق سطح جارنا وذلك لأنها كانت لا تصعد إلا ليلا وصام ستين سنة وقام ليلها وكان يبكي حتى يرحمه أهله طول ليله فإذا أصبح كحل عينيه وأدهن وخرج إلى الناس حتى كأنه بات يخفى عمله عن الناس وكان قد عمش من البكاء . وحبسوه شهرا ليتولى القضاء فلم يرض فقالوا لعامل الكوفة لو نثرت لحمه لم يل لك قضاء فخلى عنه وحل قيده ، وكان منصور لا يراه أحد إلا ظن أنه قريب عهد بمصيبة منكسر الطرف منخفض الصوت رطب العينين إذا حركته جاءت عيناه بالدموع . توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة وكان يقول : لو لم يكن لنا ذنب إلا محبتنا للدنيا لاستحقينا دخول النار وكان يقول لو عملتم للعلماء بعلمكم لهربتم من الدنيا ، لأن العلم ليس فيه شيء يدل على حبها وكان يقول : من أعظم الزهد في الدنيا الزهد في لقاء الناس وكان يقول : اللهم لا ترزقني مالا ولا ولدا ولا دارا ولا خادما وما أعطيت لي مما تكره فخذه مني .