عبد الوهاب الشعراني
64
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
وخير فاطمة رضي اللّه عنها بنت عبد الملك بين أن تقيم عنده وبين أن تلحق بدار أبيها فبكت وعلا نحيبها حتى سمع الجيران . قالت فاطمة ولم أر أحدا من الرجال أشد خوفا من اللّه تعالى من عمر كان إذا دخل عندي البيت ألقى نفسه في مسجده فلا يزال يبكي حتى تغلبه عيناه ثم يسقط فيفعل مثل ذلك ليله أجمع . وكان يخطب الناس بقميص مرقوع الجيب من بين يديه ومن خلفه فقال له رجل يا أمير المؤمنين إن اللّه قد أعطاك فلو لبست فنكس رأسه ساعة ثم قال : أفضل القصد عند الجدة وأفضل العفو عند المقدرة ، وكانت بناته لم تزلن عراة فدعا واحدة منهم فلم تجبه فأرسل الخادم فأتى بها إليه فقال ما منعك أن تجيبيني ، فقالت إني عريانة فأمر لها بخشية فألبسها إياها . وكان رضي اللّه عنه يبكي الدم ، وكان يجتمع بالخضر عليه السلام « 1 » وكان رضي اللّه عنه كل قليل يرسل البريد بالسلام على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبي بكر وعمر ليس له حاجة إلا السلام ، وكان رضي اللّه عنه له سرب ينزل فيه كل ليلة فيضع الغل في عنقه فلا يزال يبكي ويتضرع إلى الصباح . وكان رضي اللّه عنه يقول لو أراد اللّه أن لا يعصى ما خلق إبليس ، وكان رضي اللّه عنه يقول المتقي ملجم ، وكان رضي اللّه عنه يقول لو تعلمون مني ما أعلم من نفسي ما نظرتم في وجهي ، وكان رضي اللّه عنه يقول إنما الزهد في الحلال وأما الحرام فنار تسعر يرتع فيها الأموات ولو كانوا أحياء لوجدوا ألم النار ، وأخباره رضي اللّه عنه مشهورة في الحلية لأبي نعيم وغيرها . مات رضي اللّه عنه في رجب سنة إحدى ومائة وله من العمر تسع وثلاثون سنة ودفن بدير سمعان من أرض حمص ، وكانت خلافته سنتين وأربعة عشر يوما ، ومات مسموما ، قالت فاطمة بنت عبد الملك رضي اللّه عنها ، وكان حل مرضه من كثرة الخوف من اللّه تعالى فكان أقوى سببا من السم رضي اللّه عنه . 41 - ومنهم : مطرف بن عبد اللّه بن الشخير رضي اللّه عنه : كان رضي اللّه عنه يقول لو أتاني آت من ربي عزّ وجل فقال أنت مخير بين الجنة والنار أو تصير ترابا لاخترت أن أصير ترابا ، ولما مات ابن له رضي اللّه عنه سرح لحيته ولبس أحسن ثيابه ، فقيل له في ذلك قال أتأمروني أن استكين للمصيبة واللّه لو أن الدنيا وما فيها كانت لي ثم وعدني الحق تعالى على أخذها كلها بشربة ماء في الآخرة لاخترت تلك الشربة .
--> ( 1 ) سورة يونس : الآية 62 .