عبد الوهاب الشعراني

41

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

طيب الريح حسن اللون طيب الطعم لكني أكره أن أعود نفسي ما لم تعتد ولم يأكله . ولم يأكل رضي اللّه عنه طعاما منذ قتل عثمان ونهبت الدار إلا مختوما حذرا من الشبهة ، وكان قوته وكسوته شيئا يجيئه من المدينة ولم يأكل من طعام العراق إلا قليلا . وكان رضي اللّه عنه يرقع قميصه ويقول إن لبس المرقع يخشع القلب ويقتدى به المؤمن ، وكان يقطع من كم قميصه ما زاد على رؤوس الأصابع ، وكذلك كان عمر رضي اللّه عنه ، وكان رضي اللّه عنه يبرد في الشتاء حتى ترعد أعضاؤه من البرد فقيل له ألا تأخذ لك كساء من بيت المال فإنه وسع فقال لا أنقص المسلمين من بيت مالهم شيئا لي . وكان رضي اللّه عنه يقول التقوى هي ترك الإصرار على المعصية وترك الاغترار بالطاعة ، وكان رضي اللّه عنه يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل وظلمته ، وكان يحاسب نفسه على كل شيء . وكان يعجبه من اللباس ما قصر ومن طعام ما خشن . وكان رضي اللّه عنه يعظم أهل الدين والمساكين ، وكان يصلي ليله ولا يهجع إلا يسيرا ويقبض على لحيته ويتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين حتى يصبح . وكان رضي اللّه عنه يخاطب الدنيا ويقول يا دنيا غري غيري قد طلقتك ثلاثا عمرك قصير ومجلسك حقير وخطرك كبير ، آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق . وكان رضي اللّه عنه يقول أشد الأعمال ثلاثة إعطاء الحق من نفسك ، وذكرك اللّه تعالى على كل حال ، ومواساة الأخ في المال . وكان يقول ما نلت من دنياك فلا تكثرن به فرحا وما فاتك منها فلا تيأس عليه حزنا وليكن همك فيما بعد الموت . وكان رضي اللّه عنه يقول لم يرض الحق تعالى من أهل القرآن الأدهان في دينه والسكوت على معاصيه . وكان يقول إن مع كل إنسان ملكين يحفظانه مما لم يقدر ، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه ، وإن الأجل جنة حصينة ، وكان ينشد ويقول :