عبد الوهاب الشعراني

37

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

وإنصافه ووقوفه مع الحق وتعظيمه آثار رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وشدة متابعته له ، ومحاسنه رضي الله تعالى عنه أكثر من أن تحصى . وكان رضي الله عنه لا يجمع في سماطه بين إدامين وقدمت إليه حفصة رضي الله عنها مرقا باردا وصبت عليه زيتا فقال إدامان في إناء واحد لا آكله حتى ألقى الله عزّ وجل ، وكان في قميصه رضي الله عنه أربع رقاع بين كتفيه وكان إزاره مرقوعا بقطعة من جراب وعدوا مرة في قميصه أربع عشرة رقعة إحداها من آدم أحمر وكان يقول اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم واستأذن رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن له وقال : لا تنسنا يا أخي من دعائك ، وفي رواية أشركنا في دعائك . وكان رضي الله عنه إذا وقع بالمسلمين أمر يكاد يهلك اهتماما بأمرهم ، وكان يأتي المجزرة ومعه الدرة فكل من رآه يشتري لحما يومين متتابعين يضربه بالدرة ويقول له هلا طويت بطنك لجارك وابن عمك . وأبطأ يوما عن الخروج لصلاة الجمعة ثم خرج فاعتذر إلى الناس وقال إنما حبسني عنكم ثوبي هذا كان يغسل وليس عندي غيره ، وكان يقول لولا خوف الحساب لأمرت بكبش يشوى لنا في التنور . وكان رضي الله عنه يشتهي الشهوة وثمنها درهم فيؤخرها سنة كاملة وكان يقول من خاف من الله تعالى لم يشف غيظ ، ومن يتق الله لم يضع ما يريد وصعد يوما إلى المنبر فقال الحمد للّه الذي صيرني ليس فوقي أحد ، فقيل له ما حملك على ما تقول ؟ فقال إظهارا للشكر ثم نزل . وحج رضي الله عنه من المدينة إلى مكة فلم يضرب له فسطاط ولا خباء حتى رجع وكان إذا نزل يلقى له كساء أو نطع على شجرة فيستظل بذلك ، وكان رضي الله عنه أبيض يعلوه حمرة وإنما صار في لونه سمرة في عام الرمادة حين أكثر من أكل الزيت توسعة للناس أيام الغلاء فترك لهم اللحم والسمن واللبن . وكان قد حلف أن لا يأكل إداما غير الزيت حتى يوسع الله على المسلمين ومكث الغلاء تسعة أشهر ، وكانت الأرض قد صارت مثل الرماد وكان يخرج يطوف على البيوت ويقول من كان محتاجا فليأتنا .