عبد الوهاب الشعراني

31

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

بعضهم يقول إنما هو مراء فبينما الزبير رضي الله عنه ساجد إذ صبوا على وجهه ورأسه ماء حارا فكشط وجهه وهو لا يشعر فلما فرغ من صلاته وصحا قال ما هذا فأخبروه فقال رضي الله عنه غفر اللّه تعالى لهم ما فعلوا ومكث زمانا يتألم من وجهه . قلت : ودليل هذا كله قوله تعالى : وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً « 1 » وكل ولي له من تلك الفتنة الحظ الوافر وذلك لأن الابتلاء لما كان شرفا جمع اللّه تعالى لخواص هذه الأمة من البلايا والمحن جميع ما كان متفرقا في الأمم السالفة لعلو درجتهم عنده . ونقل الثقات عن أبي يزيد البسطامي رضي الله عنه أنهم نفوه من بلده سبع مرات فإنه لما رجع إلى بسطام من سفرته وتكلم بعلوم لا عهد لأهل بلده بها من مقامات الأنبياء والأولياء ، أنكر ذلك الحسين بن عيسى البسطامي إمام ناحيته والمدرس بها في علم الظاهر ، وأمر أهل بلده أن يخرجوا أبا يزيد من بسطام فأخرجوه ولم يعد إليها إلا بعد موت حسين المذكور . ثم بعد ذلك ألفه الناس وعظموه وتبركوا به ثم لم يزل يقوم له قائم بعد قائم وهو ينفي ثم استقر أمره على تعظيم الناس له والتبرك به إلى وقتنا هذا وكذلك وقع لذي النون المصري رضي الله عنه أنهم وشوا به إلى بعض الحكام وحملوه من مصر إلى بغداد مغلولا مقيدا فكلم الخليفة فأعجبه فقال إن كان هذا زنديقا فما على وجه الأرض مسلم كما سيأتي في ترجمته . وكذلك وقع لسمنون المحب رضي الله عنه محنة عظيمة وادعت عليه امرأة كانت تهواه وهو يأبى أنه يأتيها في الحرام هو وجماعة من الصوفية وامتلأت المدينة بذلك ثم إن الخليفة أمر بضرب عنق سمنون وأصحابه فمنهم من هرب ومنهم من توارى سنين حتى كف اللّه عنهم ذلك . وكذلك وقع أنهم رموا أبا سعيد الخراز وأفتى العلماء بتكفيره بألفاظ وجدوها في كتبه منها لو قلت من أين وإلى أين لم يكن جوابي غير اللّه مع ألفاظ أخر ، وتعصب مرة فقهاء أخميم على ذي النون المصري رضي الله عنه ونزلوا في زورق ليمضوا إلى السلطان بمصر ليشهدوا عليه بالكفر فأعلموه بذلك فقال اللهم إن كانوا كاذبين فأغرقهم

--> ( 1 ) ربما كان ذلك تزيدا من الرواة .