عبد الوهاب الشعراني

306

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

نومه أفضل من عبادة غيره لأنه في نومه في حضرة ربه وربما في عبادته مع نفسه . وكان رضي اللّه عنه يقول : عليكم بتصديق القوم في كل ما يدعون فقد أفلح المصدقون وخاب المستهزءون فإن اللّه تعالى يقذف عليكم في سر خواص عباده ما لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا بدل ولا صديق ولا ولي ، ما أنا قلت هذا من عندي إنما هو كلام أهل العلم باللّه تعالى ، فما للعاقل إلا التسليم وإلا فاتوه وفاتهم وحرم فوائدهم وخسر الدارين . وكان رضي اللّه عنه يقول : علامة المريد الصادق أن يكون سائرا في الطريق ليلا ونهارا غدوا وبكارا ، لا مقيل له ولا هدوء ، جواده قد فرغ من اللحم وامتلأ من الشجاعة والهم ، قد شفت مطيته السري وأسقمها البري ، لا يقيد همته مقيد ، ولا يهوله مهلك ، ولا توجعه ضربات الصوارم ، ولا يشغله شيطان غوى ولا مارد جني ، كل من خاصمه في محبوبه عاد مخصوما لا يهدأ ولا ينام ولا يصحو ، بل الدهر كله له سري حتى يدخل خيام ليلى ويضع خده على أطناب الخيام ، فإذا سمع لخطاب بالترحيب من الأحباب انتعش وطاب وسمع الخطاب بالترحيب من قاب قوسين هناك استراح ، يا طالما قطعت براري وقفارا وجبالا وبحارا وظلاما ونارا ، يا طول ما تعبت وتعنيت ويا طول ما رجع غيرك من الطريق وجئت ، فأكرم اللّه تعالى مثواك ولا خيب مسعاك أنت اليوم ضيف عندنا ويومنا لا انقضاء له أبد الآبدين ودهر الداهرين . وكان يقول : من شأن الفقير أن لا يكون عنده حسد ولا غيبة ولا بغي ولا مخادعة ولا مكابرة ، ولا مماراة ولا مكاذبة ولا كبر ولا عجب ، ولا ترف ولا افتخار ولا شطح ولا حظوظ نفس ، ولا تصدر في المجالس ولا رؤية نفس على أخيه ولا جدال ولا امتحان ، ولا تنقيص ولا سوء ظن بأحد من أهل الطريق ولا ممن تزيق بالزيق ، ولا يقدح قط في صاحب خرقة إلا أن خالف صريح الكتاب والسنة اختيارا . وكان يقول : من شرط الفقير أن لا يكون عنده التفات إلى مراعاة المخلوقين له في الحرمة والجاه والقيام والقعود والقبول والإعراض وغير ذلك من الأحوال الظاهرة ، لأنه لا يراعي إلا اللّه تعالى . وكان رضي اللّه عنه يقول : ليس أحد من القوم مبتدعا إنما هم متبعون في الأدب لسيد الأمم ، وقد قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى