عبد الوهاب الشعراني
294
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
قلت : وجميع هذه الرسالة من أخلاق الكمل وما رأيت في لسان الأولياء أوسع أخلاقا منه ومن سيدي أحمد بن الرفاعي رضي اللّه عنهما . 286 - ومنهم الشيخ العارف باللّه تعالى سيدي إبراهيم الدسوقي القرشي رضي اللّه عنه : هو من أجلاء مشايخ الفقراء أصحاب الخرق ، وكان من صدور المقربين ، وكان صاحب كرامات ظاهرة ، ومقامات فاخرة ، ومآثر ظاهرة ، وبصائر باهرة ، وأحوال خارقة وأنفاس صادقة ، وهمم عالية ، ورتب سنية ، ومناظر بهية ، وإشارات نورانية ، ونفحات روحانية ، وأسرار ملكوتية ، ومحاضرات قدسية ، له المعراج الأعلى في المعارف ، والمنهاج الأسنى في الحقائق ، والطور الأرفع في المعالي ، والقدم الراسخ في أحوال النهايات ، واليد البيضاء في علوم الموارد ، والباع الطويل في التصريف النافذ ، والكشف الخارق عن حقائق الآيات ، والفتح المضاعف في معنى المشاهدات . وهو أحد من أظهره اللّه عز وجلّ إلى الوجود ، وأبرزه رحمة للخلق ، وأوقع له القبول التام عند الخاص والعام ، وصرفه في العالم ، ومكنه في أحكام الولاية ، وقلب له الأعيان ، وخرق له العادات ، وأنطقه بالمغيبات ، وأظهر على يديه العجائب ، وصومه في المهد رضي اللّه عنه ، وله كلام كثير عال ، على لسان أهل الطريق ، ومن كلامه رضي اللّه عنه من لم يكن مجتهدا في بدايته لا يفلح له مريد ، فإنه إن نام نام مريده ، وإن قام قام مريده ، وإن أمر الناس بالعبادة وهو بطال ، أو توبهم عن الباطل وهو يفعله ، ضحكوا عليه ولم يسمعوا منه . وكان ينشد كثيرا إذا قيل له انصحنا وأرشدنا بمثالين من قول بعضهم : لا تعدلين الحرارير حتى تكوني مثلهن * يقبح على معلولة تصف دواء للناس وكان رضي اللّه عنه يقول : يجب على المريد أن لا يتكلم قط إلا بدستور شيخه إن كان جسمه حاضرا ، وإن كان غائبا يستأذنه بالقلب وذلك حتى يترقى إلى الوصول إلى هذا المقام في حق ربه عز وجلّ ، فإن الشيخ إذا رأى المريد يراعيه هذه المراعاة رباه بلطيف الشراب وأسقاه من ماء التربية ولاحظه بالسر المعنوي الإلهي فيا سعادة من أحسن الأدب مع مربيه ويا شقاوة من أساء . وكان رضي اللّه عنه يقول : من عامل اللّه تعالى بالسرائر جعله على الأسرة والحضائر ، ومن خلص نظره من الاعتكاس سلم من الالتباس ، وكان رضي اللّه عنه يقول : من غاب بقلبه في حضرة ربه لا يكلف في غيبته فإذا خرج إلى