عبد الوهاب الشعراني
268
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
وأمطرت ودق الحقائق من جلال سحائب الغيوب ظهرت فيها أزهار قرب المحبوب وأينعت ببهجة أنوار نيل المطلوب ، فوجدت ريح القرب في لذة المشاهدة واستجلاء الحضور بالسماع وأنست ببهجة أنوار نيل المطلوب وآنست نار الهيبة حين أضرمها ضوء المحبة مع الشخوص عن الأنس إلى المقام إلى نور الأزل بصولة الهيمان ، وقامت بأقدام الفناء في خلوة الوصل على بساط المسامرة بمناجاة تشبث الكون بصفاء اتصال تعرف نهايات الخير في بدايات العيان ، وتطوي حواشي الحدث في بقاء عز الأزل . فهناك رسخت أرواحهم في غيب الغيب وغاصت أسرارهم في سر السر ، فعرّفهم مولاهم ما عرّفهم وأراد منهم من مقتضى الآيات ما لم يرد من غيرهم ، وخاضوا بحار العلم اللدني بالفهم العيني لطلب الزيادات فانكشف لهم من مدخور الخزائن تحت كل ذرة من ذرات الوجود علم مكنون وسر مخزون وسبب يتصل بحضرة القدس ، يدخلون منه على سيدهم عز وجلّ فأراهم من عجائب ما عنده ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . وكان رضي الله عنه يقول : من عرف نفسه لم يغير عليه ثناء الناس عليه . وكان يقول : من لم يصبر على صحبة مولاه ابتلاه اللّه بصحبة العبيد ومن انقطعت آماله إلا من مولاه فهو العبد حقيقة . وكان يقول : من تحقق بالرضا استلذ بالبلاء . وكان يقول : حلية العارف الخشية والهيبة . وكان يقول : إياكم ومحاكاة أصحاب الأحوال قبل إحكام الطريق وتمكن الأقدام فإنها تقطع بكم عن السير . وكان يقول : دليل تخليطك صحبتك للمخلطين ، ودليل بطالتك ركونك للباطلين ، ودليل وحشتك أنسك بالمستوحشين . وكان يقول : من غلب حاله عليه لا يحضر مجلسنا في السماع ، حكى إن أصحابه قالوا له يوما لم لا تحدثنا بشيء من الحقائق ؟ فقال لهم كم أصحابي اليوم ؟ قالوا ستمائة رجل فقال استخلصوا منهم مائة ثم استخلصوا من المائة عشرين ثم استخلصوا من العشرين أربعة .