عبد الوهاب الشعراني

259

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

فهي أحوال والأحوال من صفات أهل المعرفة ولا سبيل لمخلوق إلا إلى الأحوال والتوحيد فوق المعارف وكان رضي اللّه عنه يتمثل كثيرا بهذه الأبيات : إن رحت أطلبه لا ينقصني سفري * أو جئت أحضره أوحشت في الحضر فلا أراه ولا ينفك عن نظري * وفي ضميري ولا ألقاه في عمرى فليتني غبت عن جسمي برؤيته * وعن فؤادي وعن سمعي وعن بصرى سكن رضي اللّه عنه رزيران بلدة من أعمال نهر الملك إلى أن مات بها سنة أربع وستين وخمسمائة وقد علت سنة على مائة وعشرين سنة وبها دفن وقبره بها ظاهرا يزار ، ورزيران على وزن فقيران . 264 - ومنهم الشيخ عبد الرحمن الطغسونجى رضي اللّه تعالى عنه : هو من أكابر مشايخ العراق وأعيان العارفين وصدور المقربين صاحب الأحوال الفاخرة والكرامات الظاهرة والتصريف النافذ . وكان رضي اللّه عنه يقول : أنا بين الأولياء كالكركى بين الطيور أطولهم عنقا ، وكان رضي اللّه عنه يتكلم في الشريعة والحقيقة بطغسونج على كرسي عال ، ويحضره المشايخ والعلماء ويلبس لباس العلماء ويركب البغلة ، ومن كلامه رضي اللّه عنه المراقبة لعبد راقب الحق بالحق وتابع المصطفى صلى اللّه عليه وسلم في أفعاله وأخلاقه وآدابه واللّه عزا وجل قد خص أحبابه وخاصته بأن لا يكلمهم في شيء من أحوالهم إلى نفوسهم ولا إلى غيره فهم يراقبون اللّه لقرب اللّه عز وجلّ قرب القلوب إليه بما هو قريب منها فهو يقرب من قلوب عباده على حسب ما يرى من قرب قلوب عباده منه ، فانظر بما ذا يقرب من قلبك وحال القرب يقتضى حال المحبة ، وهي تتولد من نظر القلب إلى اللّه عز وجلّ وعظمته وعلمه وقدرته ، فطوبى لمن شرب كأسا من محبته وذاق نخبا من مناجاته فامتلأ قلبه حبا فطار باللّه طربا وهام به اشتياقا ، ليس له سكنى ولا مألوف سواه فهو محب خرج من رؤية المحبة إلى المحبوب بفناء علم المحبة من حيث كان له المحبوب في الغيب ولم يكن هو بالمحبة فإذا خرج المحب إلى هذه النسبة كان محبا بلا علة والمحبة تقتضى الذكر ، فلا يزال المحب يذكر ربه ويدخل الحلل في ذكره لنفسه حتى يصير الغالب عليه ذكر ربه وصار كالغافل عن نفسه ثم يغفل عن ذهوله عن نفسه وينسى باستيلاء ذكر ربه عليه جميع الإحساس ، فيقال اندرج في رؤية مذكوره ويقال فنى عن نفسه ويقال فنى بربه ويقال فنى عن فنائه أي غفل عن ذكر غفلته