عبد الوهاب الشعراني
256
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
الكتاب أخذه سيدي أحمد رضي اللّه عنه وقرأه وقال صدق فيما قال جزاه اللّه عنى خيرا ثم أنشد : فلست أبالي من رماني بريبة * إذا كنت عند اللّه غير مريب ثم قال للرسول أكتب إليه الجواب من هذا اللاشئ حميد إلى سيدي الشيخ إبراهيم البستي رضي اللّه عنه ، أما قولك الذي ذكرته فإن اللّه تعالى خلقني كما يشاء وأسكن في ما يشاء ، وإني أريد من صدقاتك أن تدعو لي ولا تخلينى من حلك وحلمك فلما وصل الكتاب إلى البستي هام على وجهه فما عرفوا إلى أين ذهب ، وكان رضى اللّه عنه إذا علم أن الفقراء يريدون أن يضربوا أحدا من إخوانهم لزلة وقعت منه يستعير منه ثيابه ويلبسها وينام في موضعه فيضربونه فإذا فرغوا من ضربه واشتفوا منه يكشف لهم عن وجهه فيغشى عليهم ، فيقول لهم ما كان إلا الخير كسبتمونا الأجر والثواب فيقول بعض الفقراء لبعضهم : تعلموا هذه الأخلاق . وقال رضي اللّه عنه لأصحابه يوما من رأى في حميد منك عيبا فليعلمه به ، فقام شخص فقال يا سيدي فيك عيب عظيم ، فقال : وما هو يا أخي فقال : كون مثلنا من أصحابك فبكى الفقراء وعلا نحيبهم وبكى سيدي أحمد معهم وقال أنا خادمكم أنا دونكم ، وكان لسيدي أحمد شخص ينطر عليه وينقصه في نواحي أم عبيدة فكان كلما لقى فقيرا من جماعة سيدي أحمد رضي اللّه عنه يقول خذ هذا الكتاب إلى شيخك فيفتحه سيدي أحمد فيجد فيه أي ملحد أي باطلى أي زنديق وأمثال ذلك من الكلام القبيح ثم يقول سيدي أحمد رضي اللّه عنه صدق من أعطاك هذا الكتاب ثم يعطى الرسول دريهمات ويقول جزاك اللّه عنى خيرا كنت سببا لحصول الثواب . فلما طال الأمر على ذلك الرجل وعجز عن سيدي أحمد مضى إليه فلما قرب من أم عبيدة كشف رأسه وأخذ مئزره وجعله في وسطه وأمسكه إنسان وصار يقوده حتى دخل على سيدي أحمد فقال ما أحوجك يا أخي إلى هذا فقال فعلى ، فقال له سيدي أحمد رضي اللّه عنه ما كان إلا الخير يا أخي ثم طلب منه أخذ العهد عليه فأخذه عليه وصار من جملة أصحابه إلى أن مات . وكان رضي اللّه عنه يقول إذا قمت إلى الصلاة كان سيف القهر يجذب في وجهي ، وكان رضي اللّه عنه يقول لا يحصل للعبد صفاء الصدر حتى لا يبقى فيه شيء من الخبث لا لعدو ولا لصديق ولا لأحد من خلق اللّه عز وجلّ ، وهناك تستأنس الوحوش بك في غياضها والطير