عبد الوهاب الشعراني
161
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
كلامه رضي اللّه عنه من حكمة الحكيم أن يوسع على إخوانه في الأحكام ويضيق على نفسه فيها فإن التوسعة عليهم اتباع للعلم والتضييق على نفسه من حكم الورع . وكان رضي اللّه عنه لا يعبأ بالمريد إذا لم يبذل روحه في الطريق ، ويقول لا ينال هذا الأمر إلا ببذل الروح فإن أمكنك الدخول فيه على هذا وإلا فلا تشتغل بزخارف الكلام ، وكان يقول من قعد مع القوم وخالفهم في شيء مما يتحققون به نزع اللّه نور الإيمان من قلبه ، وكان رضي اللّه عنه يقول لا تزال الصوفية غير ما تنافروا فإذا اصطلحوا هلكوا ، وسئل رضي اللّه تعالى عنه عن المحبة فقال هي الموافقة في جميع الأحوال وأنشد : ولو قيل لي مت قلت سمعا وطاعة * وقلت لداعى الموت أهلا ومرحبا 169 - ومنهم أبو عبد اللّه محمد بن الفضل البلخي رضى اللّه تعالى عنه ورحمه : أصله من بلخ ولكنه أخرج منها بسبب المذهب ، وجاء إلى سمرقند واستوطنها ومات بها سنة تسع عشرة وثلاثمائة ، وكان من كبار المشايخ بخراسان وصحب أحمد ابن حضرويه وغيره من المشايخ ، ولم يكن أبو عثمان الحيري يميل إلى أحد من المشايخ ميله إليه وكان رضي اللّه عنه يقول لو وجدت في نفسي قوة لدخلت إلى أخي محمد بن الفضل سمسار الرجال . وكان رضي اللّه عنه يقول العجب ممن يقطع المفاوز حتى يصل إلى الكعبة والحرم لأن بهما آثار الأنبياء عليهم السلام ، كيف لا يقطع نفسه وهواه حتى يصل إلى قلبه لأن فيه آثار ربه عز وجلّ ، وكان رضي اللّه عنه يقول إذا رأيت المريد يستزيد من الدنيا وأمتعتها فذلك من علامة أدباره . وكان يقول من الشقاء أن يرزق العبد صحبة الصالحين ولا يحترمهم وروى أن أهل بلخ لما نفوه من البلد دعا عليهم وقال : اللهم أمنعهم الصدق فلم يخرج من بلخ بعده صديق أبدا رضي اللّه عنه .