عبد الوهاب الشعراني
159
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
الشريفة ولكن يخشى عليهم في ذلك الفتنة والرياء ، والقسم الثاني للصادقين يطلبون به الزيادة في أحوالهم ويسمعون من ذلك ما وافق أوقاتهم ، والقسم الثالث لأهل الاستقامة من العارفين رضي اللّه عنهم . 166 - ومنهم أبو الحسين أحمد بن محمد النوري رحمه اللّه تعالى ورضى عنه : بغدادي المنشأ ولمولد يعرف بابن البغوي ، وكان من جملة المشايخ وعلماء القوم لم يكن في وقته أحسن طريقة منه ولا ألطف كلاما منه ، صحب سريا السقطي ومحمد بن القصاب وكان من أقران الجنيد رحمه اللّه تعالى . مات سنة خمس وتسعين ومائتين ، وكان يقول : أعز الأشياء في زماننا هذا شيئان عالم يعمل بعلمه وعارف ينطق عن حقيقة . وكان يقول : الجمع بالحق تفرقه عن غيره والتفرقة عن غيره جمع به ، وكان يقول ليس التصوف رسوما ولا علوما وإنما هو أخلاق ، وكان رضي اللّه عنه يقول من لم يعرف اللّه تعالى في الدنيا لم يعرفه في الآخرة . وكان يقول : منذ عرفت ربى ما اشتهيت شيئا ، ولا استحسنت شيئا وكان يقول من رأيته يركن إلى غير أبناء جنسه ويخالطهم فلا تقربن منه ، ومن رأيته يسمع القصائد ويميل إلى الرفاهية فلا ترج خيره ، ومن رأيته من الفقراء غافل القلب عند السماع فاتهمه . وكان يقول لكل شيء عقوبة وعقوبة العارف انقطاعه عن الذكر ، وكان يقول : هذا زمان المعروف فيه زال والصواب فيه خطأ والوداد فيه دخل . ولما وقع بينه وبين المعتضد ما وقع خرج إلى البصرة فأقام بها إلى أن توفى المعتضد باللّه خوفا أن يسأل الشفاعة إليه في حاجة ، فلما مات المعتضد عاد النوري إلى بغداد . وأصل الواقعة أنه مر عليه أدنان من خمر فكسرها ، فحملوه إلى المعتضد فقال له المعتضد من أنت وكان يسفه قبل كلامه ، فقال : محتسب . فقال : من ولاك الحسبة قال : الذي ولاك الخلافة وأغلظ عليه القول ثم خرج من بلاده .