عبد الوهاب الشعراني
157
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
يسأله حاجة إلا لنقص في أحدهما وكان يقول إن للعلم ثمنا فلا تعطوه حتى تأخذوا ثمنه قيل له وما ثمنه قال وضعه عند من يحسن حمله ولا يضيعه . وقيل له مرة ما بال أصحابك يأكلون كثيرا فقال لأنهم يجرعون كثيرا قيل له فما بالهم لا تهمهم قوة شهوة فقال لأنهم لم يذوقوا طعم الزنا ، ويأكلون الحلال قيل له فما بالهم إذا سمعوا القرآن لا يطربون قال وأي شيء في القرآن يطرب في الدنيا القرآن حق نزل من عند حق لا يليق بصفات الخلق عند كل حرف منه على الخلق واجب لا يخرجهم منه إلا الوفاء للّه عز وجلّ به فإذا سمعوه في الآخرة من قائله أطربهم قيل له فما بالهم يسمعون القصائد والأشعار والغناء فيطربون فقال لأنها مما عملت أيديهم ولأنه كلام المحبين قيل له فما بالهم محرومين من أموال الناس فقال لأن اللّه تعالى لا يرضى لهم ما في أيدي الناس لئلا يميلوا إلى الخلق فيقطعوا عن الحق تعالى فأفرد القصد منهم إليه اعتناء بهم . ولما حضرته الوفاة دخل عليه أبو محمد الجريري رضي اللّه عنه فقال ألك حاجة قال نعم إذا مت فغسلني وكفني وصل على ، فبكى الجريري وبكى الناس معه ثم قال له الجنيد وحاجة أخرى فقال : وما هي ؟ فقال تتخذ لأصحابنا طعام الوليمة فإذا انصرفوا من الجنازة رجعوا إلى ذلك حتى لا يقع لهم تشتيت ، فبكى الجريري ، ثم قال واللّه لئن فقدنا هاتين العينين ما اجتمع منا اثنان أبدا قال أبو جعفر الفرغاني فكان واللّه كذلك الأمر بعد وفاة الجنيد وإنما كان كذلك الاجتماع ببركة الشيخ ورؤيته رضي اللّه عنه قال الجريري وكان في جوار الجنيد رجل مصاب في خربة فلما مات الجنيد - رحمه اللّه تعالى - ودفناه ورجعنا من جنازته تقدمنا ذلك المصاب فصعد موضعا عاليا وقال يا أبا محمد أتراني أرجع إلى تلك الخربة وقد فقدت ذلك السيد ثم أنشا يقول : وأسفي من فراق قوم * هم المصابيح والحصون والمدن والمزن والرواسي * والخير والأمن والسكون لم تتغير لنا الليالي * حتى توفتهم المنون فكل جمر لنا قلوب * وكل ماء لنا عيون قال ثم غاب عنا فكان ذلك آخر العهد به رضي اللّه عنه .