عبد الوهاب الشعراني

129

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

كرم وكان رضي اللّه عنه إذا لم يجد الطعام الحلال يأكل التراب ومكث شهرا يأكل الطين وقال لولا أخاف أن أعين على نفسي ما كان لي طعام إلا الطين حتى أجد الحلال إلى أن أموت . وكان يقلل الطعام والأكل ما استطاع ويقول لا يحتمل الحلال للصرف حتى كان يصلى خمس عشرة صلاة بوضوء واحد وكان رضي اللّه عنه يقول اطلبوا العلم للعمل فإن أكثر الناس قد غلطوا حتى صار علمهم كالجبال وعملهم كالذر وكنت إذا رأيته كأنه ليس فيه روح ولو نفخته الريح لوقع ، وقال له بعض العلماء عظني فقال كن ذنبا ولا تكن رأسا فإن الذنب ينجو والرأس يذهب . وكتب إليه الأوزاعي - رحمه اللّه تعالى - إني أريد أن أصحبك يا إبراهيم فكتب إليه إبراهيم رضي اللّه عنه إن الطير إذا طار مع غير شكله طار الطير وتركه واللّه أعلم . 141 - ومنهم أبو الفيض ذو النون المصري رضي اللّه عنه : واسمه ثوبان بن إبراهيم وكان أبوه نوبيا ، توفى سنة خمس وأربعين ومائتين وكان رضي اللّه عنه رجلا نحيفا تعلوه حمرة وليس بأبيض اللحية ، ولما توفى رضي اللّه عنه بالجيزة حمل في قارب مخافة أن ينقطع الجسر من كثرة الناس مع جنازته ورأى الناس طيورا خضرا ترفرف على جنازته حتى وصلت إلى قبره رضي اللّه عنه . ومن كلامه رضي اللّه عنه : إياك أن تكون للمعرفة مدعيا أو بالزهد محترفا أو بالعبادة متعلقا وفر من كل شيء إلى ربك وكان يقول كل مدع محجوب بدعواه عن شهود الحق لأن الحق شاهد لأهل الحق بأن اللّه هو الحق وقوله الحق ومن كان الحق تعالى شاهد له لا يحتاج أن يدعى فالدعوى علامة على الحجاب عن الحق والسلام . وكان يقول للعلماء أدركنا الناس وأحدهم كلما ازداد علما ازداد في الدنيا حبا وطلبا ومزاحمة وأدركناهم وهم ينفقون الأموال في تحصيل العلم وأنتم اليوم تنفقون العلم في تحصيل المال وكان يقول يا معشر المريدين من أراد منكم الطريق فليلق العلماء بإظهار الجهل والزهاد بإظهار الرغبة والعارفين بالصمت .