عبد الوهاب الشعراني
109
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
وكان يقول فتشنا الورع فلم نجده في شيء أقل منه في اللسان وكان إذا أشرف على المقابر يخر مغشيا عليه وكان إذا ذهب إلى جنازة ورأي الميت وهم يدخلونه القبر يغشى عليه فلا يرجع إلا محمولا في سرير الميت ، وكان إذا بكى سمع الناس صراخه كبكاء أهل المصائب وكان يقول العمل بالحسنة قوة في البدن ونور في القلب وضوء في البصر والعمل بالسيئة وهن في البدن وظلمة في القلب وعمى في البصر ، وكان يقول لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يفرح إذا زوى اللّه عنه الدنيا وأعطاها لأقرانه . توفى على رضي اللّه عنه بالكوفة سنة أربع وخمسين ومائة . وتوفى بعده الحسين بثلاث عشرة سنة رضي اللّه عنهما . 98 - ومنهم عبد اللّه بن المبارك رضي اللّه عنه ورحمه آمين : ولد رضي اللّه عنه سنة ثمان عشرة ومائة وكانوا يقدمونه في الأدب على سفيان الثوري رضي اللّه عنه وكان سفيان الثوري رضي اللّه عنه يقول جهدت جهدي على أن أداوم ثلاثة أيام في السنة على ما عليه ابن المبارك فلم أقدر وكان يقدم النظر في سير الصحابة والتابعين على مجالسة علماء عصره . وكان يقول إذا كانت سنة مائتين ففروا من الناس إلا لحضور واجب وكان يقول إذا تعلم أحدكم من القرآن ما يقيم به صلاته فليشتغل بالعلم فإن به تعرف ما في القرآن وكان رضي اللّه عنه يقول ما بقي في زماننا أحد أعرف أنه يأخذ النصيحة بانشراح قلب وكان يقول من شرط العالم أن لا تخطر محبة الدنيا على باله . وقيل له من سفلة الناس قال الذين يتعيشون بدينهم وكان يقول كيف يدعى رجل أنه أكثر علما وهو أقل خوفا وزهدا وكان رضي اللّه عنه يقول من علامة من عرف نفسه أن يكون أذل من الكلب . وكان يقول من ختم نهاره بذكر ، كتب نهاره ذاكرا ، وكان يتحرى هذا العمل وكان يقول رب عمل صغير تعظمه النية ورب عمل كبير تصغره النية ، وكان رضي اللّه عنه يتمثل بهذين البيتين من كلامه : وهل بدل الدين إلا الملوك * وأحبار سوء ورهبانها لقد رتع القوم في جيفة * يبين لذي العلم إنتانها