السيد علي الحسيني الميلاني
381
استخراج المرام من استقصاء الإفحام
« ومنها : الاستحسان ، وحقيقته أن يرى رجل الشارع يضرب لكلّ حكمة مظنّة مناسبة ، ويراه يعقد التشريع ، فيختلس بعض ما ذكرنا من أسرار التشريع ، فيشرع للنّاس حسبما عقل من المصلحة ، كما أنّ اليهود رأوا أنّ الشارع إنّما أمر بالحدود زجراً عن المعاصي للإصلاح ، ورأوا أنّ الرجم يورث اختلافاً وتقاتلاً بحيث يكون في ذلك أشدّ الفساد ، واستحسنوا تحميم الوجه والجلد ، فبين النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه تحريف ونبذ لحكم الله المنصوص في التوراة بآرائهم » ( 1 ) . وقال الغزالي في ( المنخول ) في كتاب القياس : « الباب السادس في الاستحسان : قال الشافعيّ : من استحسن فقد شرّع . ولابدّ أوّلاً من بيان حقيقة الاستحسان ، وقد قال قائلون من أصحاب أبي حنيفة : الاستحسان مذهب لا دليل عليه ، وهذا كفر من قائله وممّن يجوّز التمسّك به ، فلا حاجة فيه إلى دليل . وقال قائلون : هو معنى خفي مقيس لا عبارة عنه ، وهذا أيضاً هوس ، فإنّ معاني الشرع إذا لاحت في العقول انطلقت الألسن بالتعبير عنها ، فما لا عبارة عنه لا يعقل . والصحيح في ضبط الاستحسان ما ذكره الكرخي ، وقد قسّمه أربعة أقسام : منها : إتّباع الحديث وترك القياس ، كما فعلوا في مسألة القهقهة ونبيذ التمر . ومنها : إتّباع قول الصحابي على خلاف القياس ، كما قالوا في تقدير
--> ( 1 ) حجة الله البالغة 1 : 121 .