السيد علي الحسيني الميلاني

322

استخراج المرام من استقصاء الإفحام

وذكر عند عبد الرحمن بن مهدي قوم من أهل البدع ، فقال : لا يقبل الله إلاّ ما كان مبنيّاً على الأثر والسنّة ، ثمّ قرأ : ( ورهبانيّة ابتدعوها ما كتبنا ها عليهم ) . واعلم : إنّ أقوال الصحابة والتابعين في ذمّ الرأي كثيرة ، ولنكتف بهذا القدر من الروايات ، ونحن ننقلها من كتاب الإنتصار لأصحاب الحديث ، من تصانيف الشيخ أبي المظفّر السمعاني . فإن قيل : هذه الروايات معارضة بروايات أخر عن الصحابة ، تدلّ على أنّهم كانوا قائلين بالرأي : قال أبو بكر الصدّيق : أقول في الكلالة برأيي . وقال ابن مسعود في المفوّضة : أقول فيها برأيي . والجواب : إنّ الصدّيق إنّما قال في الكلالة برأيه ثمّ قال بعده : فإن يك صواباً فمن الله ، وإن يك خطأ فمنّي ومن الشيطان ، وهذا يدلّ على أنّه كان كالخائف من الرأي . ونحن نفرّق بين هذه الروايات فنقول : الروايات التي ذكرناها تدلّ على أنّه يجب الحذر عن الرأي ، والتي ذكرتموها تدلّ على أنّه يجوز استعمال الرأي عند الضرورة الشديدة ، بشرط الحذر والاحتراز عن مخالفة النصوص ، وعلى جميع التقديرات ، فإنّه يخرج منه أنّ كون الإنسان صاحباً للحديث خير من أن يكون صاحب الرأي . وأمّا الوجوه العقليّة في بيان تقديم النصّ على القياس والرأي ، فكثيرة : أحدها : أنّ التمسّك بالنصّ محمود عند جميع الطوائف ، وأمّا التمسّك بالقياس فمذموم عند البعض دون البعض ، والشيء الذي يكون محموداً عند