ابن أبي مخرمة
9
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
وكان فقيها صالحا ، له مقروءات ومسموعات ، وكان خطيبا مصقعا ، ولما تولى الوزارة والقضاء الأكبر القاضي موفق الدين علي بن محمد اليحيوي في أول أيام المؤيد . . حمل إلى السلطان من العمرانيين ما اللّه أعلم بصحته حتى تغير عليهم ظاهر السلطان وباطنه ، فقبض على الفقيه عبد اللّه المذكور وولده عمران وأخيه حسان بن أسعد ، فضرب حسان وابن أخيه عمران ضربا مبرحا كما سنذكره في ترجمة حسان « 1 » ، وهموا بضرب القاضي عبد اللّه ، فحماه اللّه منهم ، فما همّ أحد بضربه إلا ضربه اللّه ببلاء من عنده للفور ، حتى إن بعض الجاندارية « 2 » دخل على الفقيه عبد اللّه وكلمه بسوء أدب وتهدده بالضرب ، فبزقه الفقيه بزقة انقطع منها شيء من أمعائه ، ووقع مغشيا عليه ، فلم يفق من غشيته إلا وقد حمل إلى بيته ، ولم يزل مريضا لا ينفع نفسه بنفاعة . ثم إن بنت أسد الدين زوجة المؤيد شفعت فيهم ، فأطلقوا من السجن ، وأمروا بسكنى سهفنة ، ورهن القاضي عبد اللّه ولده عمران ، ورهن القاضي حسان ولده محمدا ، فأنزل الرهائن إلى زبيد . وأقام القاضي عبد اللّه بسهفنة إلى أن توفي بها في ذي الحجة سنة إحدى وسبع مائة ، وحضر دفنه جمع كثير من الجند وغيرها ، وكان فيهم الإمام أبو الحسن علي بن محمد الأصبحي ، فروى من حضر دفنه أنه كان ذلك اليوم على قرية سهفنة جراد عظيم ، ولم يكن خارجها شيء ، ولم يزل الجراد حول القرية وحول النعش إلى أن قبر ، ثم لم يوجد منه شيء بعد دفنه ، فسئل الإمام أبو الحسن علي بن محمد الأصبحي عن ذلك فقال : ما هو بعيد أن يكون الجراد ملائكة حضروا دفن القاضي عبد اللّه ، فإن حق القاضي عبد اللّه عند اللّه كبير ؛ لكثرة إطعامه وصدقته رحمه اللّه ونفع به ، آمين . 3536 - [ ابن الخلال ] « 3 » المسند بدر الدين بن علي ابن الخلال الدمشقي .
--> ( 1 ) انظر ( 6 / 52 ) . ( 2 ) الجاندارية : صنف من العسكر ينحصر عملهم عند مباشري الديوان ، يعملون بإمرة أمير يسمى : أمير جاندار ، وذلك في العصرين الأيوبي والمملوكي . ( 3 ) « معجم الشيوخ » ( 1 / 211 ) ، و « الإعلام بوفيات الأعلام » ( ص 294 ) ، و « مرآة الجنان » ( 4 / 238 ) ، و « الدرر الكامنة » ( 2 / 21 ) ، و « شذرات الذهب » ( 8 / 11 ) .