ابن أبي مخرمة
536
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
بعده بحيث كان أوامره في الحجاز أنفذ من أوامرهما ، رغبة منهما في ذلك واختيارا ، لا كراهة وإجبارا . فلما وقعت الفتنة بين الشريف بركات وأخيه هزاع بوادي مرّ ، وانكسر فيها الشريف بركات ، ونهب مخيّمه وحرمه . . أمده القاضي أبو السعود بالمال والأثاث والخدم ، ويقال : إنه الذي أشار عليه بنهب جدّة ليتقرر عند المصريين عجز غير بركات . وكان القاضي أبو السعود إذ ذاك مرتابا من الشريف هزاع كثيرا ، يرى أن هزاعا لو تمكن منه . . لأتلفه ؛ لما كان يرى منه من الميل إلى بركات في حياة أبيه وبعد وفاته ، فلما انكسر الشريف المرة الثانية ، ونهب مخيمه . . تخيل للقاضي أبي السعود أن الشريف بركات قد انقضت أيامه ، وأدبرت سعادته ، فالتجأ القاضي إلى الشريف جازاني بن محمد بن بركات ، فخفره من هزاع وحماه منه . فلما أمن جانبه من هزاع . . أرسل الشريف بركات إلى القاضي يريد منه المساعدة كالمرة الأولى ، فاعتذر إليه القاضي ، فوقع في نفس الشريف منه ، ووجد أعداء القاضي مدخلا عليه عند الشريف ، فأوغروا صدر الشريف عليه بالحق والباطل . فلما توفي هزاع . . شمر القاضي أبو السعود همته في تولية الجازاني على مكة وأعمالها ، وكتب بذلك إلى المصريين ، ورجح لهم أنه أصلح للحجاز من بركات ، وأن بركات ما هو إلا راعي معزى ، فتم للقاضي ما أراد ، ووصلت المراسيم والخلع من مصر للجازاني . فجمع الشريف بركات جندا عظيما من اليمن والشرق وغير ذلك ، وقصد أخاه الجازاني بمكة ، وعلم الجازاني أنه لا طاقة له به . . فخرج من مكة إلى ينبع ، ودخل الشريف بركات بعساكره ، وكان يجامل القاضي في الظاهر كثيرا ويحترمه ، ويراعيه ويستشيره ، وكان محتذرا من هجوم الجازاني وبني إبراهيم عليه ، فلم يزل محتفظا بالعسكر بمكة ، فيقال : إن القاضي أشار عليه بأنك قد أمنت من خصمك ، ولا حاجة إلى جمع الجند ، فقد تأذى أهل مكة من انبساطهم وفسادهم ، وهذا شهر رمضان مقبل لا يحتمل ذلك ، والمصلحة أنك تفسح لكل ينصرف إلى أهله وبلده ، فأصغى الشريف بركات إلى مشورته ، وفرق الجند ، ولم يبق معه إلا خاصته ومن يلوذ به ، فيقال : إن القاضي كتب إلى الجازاني أن بركات قد فرق جنده ولم يبق أحد عنده ، فلا يكون أسرع من وصولك إلى مكة على غرة وغفلة لتقبض عليه ، وأرسل مكتّبا بالورقة ، فشاع بمكة أن القاضي أرسل قاصدا إلى ينبع ، فأرصد