ابن أبي مخرمة

428

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

السنة التاسعة والخمسون تقدم في السنة التي قبلها أن المشايخ علي وعامر ابني طاهر لما دخلا عدن . . أخرجا الأمير جياش بن سليمان السنبلي من عدن مطرودا ، فخرج إلى موزع هو ومن معه من أهله وكانوا نحو ثلاثين ، فلما استقر بموزع . . كاتب العبيد ليأذنوا له في دخول زبيد ، فرضي بعضهم ، وكره البعض ، وممن رضي بدخوله يوسف بن الفلفل ، وهو طاغيتهم يومئذ ، أدخله زبيد على غضب الكارهين ، فلما استقر بها . . أظهر لهم النصح ، فأمنوه ، فكتب إلى الملك المجاهد علي بن طاهر يخبره بانحلال أمر العبيد وضعف شوكتهم ، فرد إليه الجواب بأن يسعى في الإفساد بين العبيد وتفريق كلمتهم ، فلم يزل يعمل الحيلة حتى حالف عبيد السعد وعبيد الشمسي للملك المجاهد ، فلما استوثق منهم بذلك . . راسل الملك المجاهد مع جماعة من كبراء البلد وقضاتها وعلمائها ، فلما وصله الكتب . . خرج من عدن ثالث شوال من سنة تسع وخمسين إلى بلده جبن ، فجمع الجند إلى تعز ، فواجهه القرشيون بتعز وكانوا في غاية الكثرة واجتماع الكلمة ، فأكرمهم وأنعم عليهم ، ووعدهم بكل جميل ، ثم سار من تعز إلى موزع ، فدخلها في ذي القعدة ، فلما سمع به العبيد . . حاصوا حيصة حمر الوحش ولم ينتظم لهم أمر ، فأرسل المجاهد للشيخ يحيى بن عمر الثابتي صاحب الحديدة بمال ، وأمره أن يستقر ببيت الفقيه ابن عجيل ، ويواعد العرب هنالك ، فوصل إليها ، واستقر بها في جماعة من أهله ، ثم عزم المجاهد من موزع إلى حيس ، فدخلها ليلة عيد النحر ، فاشتد ضيق العبيد ، وبلغت القلوب منهم الحناجر « 1 » . وفي ليلة الحادي عشر من ذي الحجة : خرج جماعة من العبيد المعروفين بعبيد فشال هاربين تسوروا الدروب « 2 » . وفي صبيحة تلك الليلة : جمع الأمير جياش السنبلي عنده أكابر العبيد ، وأمر مناديا ينادي في المدينة بأن البلد للملك المجاهد علي بن طاهر ، فقال له فرج خيري أحد طغاة العبيد : من أذن لك في هذا النداء ؟ وأراد إثارة الفتنة ، فأمر الأمير أخويه إسماعيل والصديق أن يقتلاه ، فقتلاه ، ورميت جثته إلى الشارع من كوة بدار الأمير والعبيد مجتمعون حول البيت من الموافقين والمخالفين ، ثم قبض على عبد اللّه بن زيتون أحد طغاة العبيد

--> ( 1 ) « بغية المستفيد » ( ص 122 ) . ( 2 ) « بغية المستفيد » ( ص 123 ) .