ابن أبي مخرمة
342
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
كان إماما عالما عاملا ، جوادا كريما ، شديد الورع ، باذلا نفسه لطلبة العلم ، مسموع الكلمة ، مطاعا في بلده وناحيته . وبه تفقه جمع كثير من أهل تلك الناحية . وكانت بلاده مطيفة ببلاد الزيدية ، ولم يقل بقولهم ، ولا اقتدى بفعلهم ، فسار إليه إمام الزيدية محمد بن علي بن محمد الهدوي الملقب ( صلاح ) في جمع كثير من الزيدية وغيرهم ، فلما صار قريبا من موضع الفقيه . . أرسل طائفة من العسكر ، فقصدوا الفقيه إلى منزله ، فقتلوه ، وقتلوا جماعة من أصحابه ظلما وعدوانا ، ونهبوا بيته وناحيته نهبا شديدا ، وكان في بيته أموال جليلة مودعة للناس ، وذلك حادي عشر رجب سنة ثلاث وتسعين وسبع مائة . ولم تطل مدة الإمام صلاح ، بل عوقب عقوبة شديدة ، وكذلك الذين باشروا قتل الفقيه بأيديهم ، وعمل بعض الفقهاء الشاوريين قصيدة يرثيه فيها ، أولها : [ من الوافر ] ألا شلت يمينك يا صلاح * وعجل يومك القدر المتاح وسمعت شيخنا القاضي شهاب الدين أحمد المزجد يذكر أن للفقيه شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر المقرئ في ذلك قصيدة أولها : [ من الوافر ] أراني اللّه رأسك يا صلاح * تداوله الأسنة والرماح ويحكى عن الإمام المذكور أنه قال : لما وصلت أنا والعسكر إلى بلد الفقيه أحمد بن زيد . . أمرت العسكر ألا تغير على أحد بنهب ولا غيره ، إلا أنكم إذا دخلتم على الفقيه ابن زيد . . فاحملوا ما عنده من الكتب ، فلما دخلوا عليه . . حملوا كتبه ، وجاءوني بها ، فوجدت معظمها في الأصول والاعتقادات ، فأمرت بقتله ونهب بلده ، فلما قتل وسرنا راجعين . . فتوسطت البغلة في واد بين جبلين ، وأسرعت في مشيها ، فظن الغلمان أني حثثتها لحاجة الإنسان ، فتأخروا عني ، فلما انفردت . . قابلني الفقيه أحمد بن زيد وقرب مني في الجانب الأيسر ، فرأيته يمد إصبعه السبابة كأنها خنجر ، فطعن بها البغلة في خاصرتها ، فنفرت بي نفرة شديدة ألقتني عن ظهرها ، وكانت رجلي في الركاب ، فسحبتني نحو ميل ، فما أنقذت منها إلا وقد صرت شا أهلك « 1 » ، فو اللّه ما بي إلا هو قتلته فقتلني .
--> ( 1 ) شا : في كلام أهل اليمن بمعنى « سين التسويف » أو « سوف » .