ابن أبي مخرمة

319

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

وتفقه بصالح بن عمر البريهي ، ومحمد بن عبد اللّه بن محمد الحضرمي مفتي زبيد ، وأبي بكر بن جبريل العدلي - باللام - وغيرهم . وأخذ الحديث عن أحمد بن أبي الخير بن منصور ، وإبراهيم بن عمر العلوي ، وعمر بن علي الشعبي ، والنحو عن أحمد بن أبي بكر الرقبي ، ومهر في جميع هذه العلوم ، وشارك في غيرها . وكان إماما محققا مدققا ، فصحيا شاعرا مترسلا ، يخترع المعاني الغريبة ، ويرتجل الخطب العجيبة ، مع الاجتهاد في النسك والعبادة ؛ من كثرة التلاوة للقرآن ، مساعدا لطالب العلم ، فانتفع به عالم لا يحصون كثرة ، حتى لا يكاد يوجد بعده في جميع جهات وصاب فقيه إلا وهو تلميذه وتلميذ تلميذه . وله المصنفات العجيبة ؛ ككتاب « النظم والبيان » ، وكتاب « الاعتبار لذوي الأبصار » ، وكتاب « الإرشاد للأمراء والعلماء والمتعلمين والمتنسكين والعبّاد » ، وكتاب « البلغة في اللغة » ، توفي قبل تهذيبه وترتيبه ، فرتبه حفيده عبد القدوس محمد بن أحمد بن عبد الرحمن ، وزاد فيه زيادات معلومة ، وله غير ذلك من الكتب المفيدة والفتاوى الحسنة ، وديوان شعره في مجلدين ضخمين ، كله في الأدعية والمواعظ والاستغفار ومدح الرسول عليه الصلاة والسلام . وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويجاهر الولاة بالزجر عن المعاصي ، وولي القضاء في جميع جهات وصاب ، وكان لا تأخذه في اللّه لومة لائم . وله منامات عجيبة ، منها : رأى في المنام وكوشف بوقت موته قبل موته بسنين عديدة . وقال في قصيدته العينية التي أنشأها بعد الأربعين وسبع مائة يخاطب نفسه فيها : [ من الطويل ] إذا ما انقضى السبع المئين وبعدها * ثمانون فاعلم أن موتك واقع قال حفيده عبد القدوس محمد بن أحمد بن عبد الرحمن : قرأتها عليه مرارا ، وباحثته عن ذلك ، فقال : هو ما أقول ، فقلت له : من أين أخذت ؟ قال : شيء لا بد منه ذلك الوقت . قال : وذكر ذلك في قصائد كثيرة ينعى نفسه للوقت الذي مات فيه . وتوفي يوم السبت لست ليال خلون من جمادى الآخرة سنة ثمانين وسبع مائة .