ابن أبي مخرمة

304

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

قال الخطيب في كتابه « الشفاف » : ( كان رحمه اللّه شديد الاجتهاد في العبادة ، كثير الخلوة ، مشتغلا باللّه تعالى عما سواه ، يخرج من أهله وسط الليل وهم نيام إلى خلواته ، ولا يعود إليهم إلا بعد العشاء ، فيجد غالبهم قد نام ؛ فلذلك كان أولاده لا يرونه ، ولا يعرفون شخصه ، ويقولون لأمهم : أين أبونا ؟ أما لنا أب ؟ ! فتخبرهم بما هو فيه . وكان كثير الاستغراق في الذكر وقراءة القرآن ، قال عبد اللّه بن أبي زغيفان : دخلت تريم يوما بعد صلاة الصبح ، فإذا الشيخ علي بن علوي وهو مستغرق في قراءة هذه الآية : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ، ولم يزل يقرؤها ويرددها مستغرقا فيها إلى صلاة الظهر ، وقرأ مرة في ( سورة طه ) فلما بلغ قوله تعالى : فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى . . جعل يرددها ويتواجد ساعة حتى غشي عليه . توفي بمكة بعد أن جاور بها مدة . وعن بعض آل تريم قال : كنت بمكة يوم مات الشيخ علي بن علوي ، فحضرت جنازته ، فلما أدخلوه اللحد . . رأيتهم دفنوه من غير أن يضعوا فوقه لبنا ، فصحت وأنكرت عليهم في ذلك ، فقال القاضي وكان حاضرا عند القبر : اسكت ؛ فإنا ما وجدنا في القبر أحدا ، ما دفنا إلا الكفن وحده . وقال بعض الثقات : لما دفن الشيخ علي بن علوي رحمه اللّه . . رأى الذين عنده طيورا خضرا يدخلن عليه ويخرجن ) « 1 » . ولم أقف على تاريخ وفاته ، وذكرته هنا ؛ تبعا لأخيه الفقيه محمد بن علوي . ذكر له الخطيب في كتابه جملة كرامات « 2 » . ودخل عدن من طريقه إلى الحج ، فاجتمع بالقاضي رضي الدين أبي بكر الحبيشي ، فقال له : سيأتيك أحد الأولاد يقرأ عليك ، فاستوص به خيرا ، وكان ذلك قبل أن يتزوج ، ثم سافر وجاور بمكة زمانا ، ثم عاد إلى بلده وتزوج ، فظهر له ولده أبو بكر ، فلما كبر . . دخل إلى عدن ، وقرأ على القاضي رضي الدين الحبيشي ، فاجتهد عليه القاضي لوصية أبيه .

--> ( 1 ) « الجوهر الشفاف » ( 1 / 193 - 197 ) . ( 2 ) انظر « الجوهر الشفاف » ( 1 / 193 - 200 ) .