ابن أبي مخرمة

24

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

حالهم ، فأمر المؤيد بإجرائهم على المسامحة المظفرية دون الأشرفية ، فشق ذلك على أهله ؛ لأن المسامحة الأشرفية أكثر من المظفرية بكثير ، فرأى أحدهم الفقيه في النوم ، وقال له : يا فلان ؛ إذا لم يكتب لكم السلطان على المسامحة الأشرفية . . هاتها إليّ ، أنا أكتب لكم عليها ، فلما أصبح الصباح وأشرقت الشمس . . نودي من باب السلطان : أين ورثة الفقيه الأصبحي يأتون بمسامحتهم ؟ فأتوا بها ، فأمر المؤيد بإجرائها مسرعا . ومن غريب ما اتفق له أنه خرج إلى أرض له وفيها بتول له يحرث ، فسأل البتول هل عنده ماء ؟ فأشار إليه البتول إلى موضع ، فقصده الفقيه ، فوجد عنده حنشا ، فقتله ، وإذ به يجد نفسه في أرض لا يعرفها بين قوم لا يعرفهم ، لهم خلق غريب ، بعضهم يقول : قتلت ابني ، وبعضهم : قتلت أخي ، وبعضهم : قتلت أبي ، ففزع منهم فزعا شديدا ، قال : وإذا برجل منهم يقول لي : قل : أنا باللّه وبالشرع ، قال : فقلت ذلك ، فدافع عني جماعة وقالوا : امضوا به إلى الشرع ، فمضيت أنا وهم حتى أتيت دارا كبيرة ، فخرج منها شخص كهيئة الرخم الأبيض ، فقعد على شيء مرتفع ، قال : فادعى عليّ بعض الخصوم ، فدنا مني صاحبي الأول وقال : قل : ما قتلت إلا حنشا ، فقلت ذلك ، فقال القاضي : سمعت بأذني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : من تشبه بشيء من الهوام . . فلا قود على قاتله ولا دية ، فسقط في أيدي القوم ، وإذ بي قد صرت في موضعي ، وكان البتول قد رأى الفقيه حين وصل إلى موضع الماء ، ثم غاب عن بصره ساعة جيدة ، ثم ظهر ، قال البتول : وقال الفقيه حين وصل : يا فلان ؛ جرى لبعض رعية الأجناد ما هو كذا وكذا ، وأخبر بالقصة ، قال : فعرفت أنه هو الذي جرى له ما جرى ، فقلت له : سألتك باللّه ، هل هو أنت ؟ فسكت وغالط بحديث آخر ، فلما بلغ المظفر ذلك . . سأل عن حاله ، فقيل : هو فقير ، فقال : الحمد للّه الذي جعل مثل هذا في بلادنا وزماننا ، رجل عالم زاهد متورع . وأخذ عنه جمع كثير ، وتفقه به جماعة ، منهم عيسى بن أبي بكر ، وسعيد العودوي ، وعمر الحبيشي ، ومحمد بن جبير ، وإسماعيل بن محمد الخلي ، وأبو بكر بن المقرئ وغيرهم . وتوفي في رابع عشر المحرم سنة ثلاث وسبع مائة ، وقبر إلى جنب قبر أبيه قبلي الذنبتين ، وحضر دفنه جم غفير يزيدون على ثلاثة آلاف شخص غالبهم من أعيان الفقهاء ووجوه الناس ، رحمه اللّه ونفع به ، آمين آمين .