ابن أبي مخرمة
105
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
قال الجندي : ( روى الفقيه عثمان بن محمد الشرعبي من لفظه - وكان ثقة - قال : ظهر من نواحي بعض بلاد مخلاف جعفر حنش عظيم ينبح نباح الكلب ، فنزل على قرية قريبة من موضع ظهوره ، فجعل يصيح بصوته حتى أفزع أهل القرية ، وهموا بالانتقال عنها ؛ لشدة ما داخلهم من الفزع من كبره وشدة صوته ، فتقدم جماعة منهم إلى بعض صالحي بلدهم وشكوا إليه حالهم مع الحنش ، وسألوه الدعاء ، فقال : تقدموا بأجمعكم إلى جبل يقابل موضع الحنش ، ثم هللوا ونادوا : يا اللّه يا ربنا ؛ هذا الثعبان الذي أرسلته لا طاقة لنا به ، فذهبوا وفعلوا ما أمرهم به ، فبيناهم على ذلك الحال ؛ إذ انقض طائر عظيم أبيض الجسد أصفر المنقار والمخالب ، فجعل يحارب الثعبان ، فإذا أقبل عليه الطائر . . نفخه الثعبان ، فيخرج من فيه نار ، فيهرب الطائر ، فتحرق النار ما مرت به من شجر وغيره ، ثم يعود الطائر عليه مسرعا ، فيضرب رأسه بمخالبه ، فلم يزالا كذلك ساعة جيدة حتى كان آخر أمره وقد تعب الحنش ، فضرب الطائر رأسه بمخالبه حتى كاد يغيبها ، ثم أتبع ذلك بمنقاره ، فجعل الحنش يتضرب ساعة وهو ممسك له حتى مات ، فتركه ميتا وطار عنه ، فأقبل أهل القرية على الحنش ، فوجدوا ما لم يروا ولا سمعوا بمثله ، فجروه إلى جانب الموضع الذي كان فيه ، وحفروا له حفيرا عظيما ، وقلبوا الحنش إليه ، ثم واروه بالتراب ) « 1 » ، كذا ذكر الجندي هذه الحكاية في ترجمة عبد الرحمن بن الحسن بن علي الحميري المذكور في آخر المائة السابعة « 2 » ، وذكرها الخزرجي في ترجمة الفقيه عثمان بن محمد الشرعبي الراوي للقصة « 3 » . قال أبو الحسن الخزرجي : ( ولم أر لها تعلقا بترجمة الفقيه عبد الرحمن بن حسن الحميري ) « 4 » . فتبعت الخزرجي وذكرتها في ترجمة الفقيه عثمان ، ويحتمل أن الذي أشار عليهم بصعود الجبل والابتهال إلى اللّه تعالى في دفع الحنش عنهم هو الفقيه عبد الرحمن الحميري ؛ فلذلك ذكره الجندي في ترجمته ، واللّه سبحانه أعلم .
--> ( 1 ) « السلوك » ( 2 / 161 ) . ( 2 ) انظر ( 5 / 436 ) . ( 3 ) انظر « طراز أعلام الزمن » : ( 2 / 194 ) . ( 4 ) « طراز أعلام الزمن » : ( 2 / 194 ) .