ابن أبي مخرمة
375
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
سأله عما قرأ من الكتب ، فأعلمه ، فقال له المظفر : لم لا قرأت شيئا من كتب أصول الدين ؟ فقال له : قد قرأت ما عرفت به ربي وصفاته وحرمة نبيي ومبدئي ومعادي ، فقال له : ذلك المطلوب ما هو ؟ قال : كتاب اللّه وسنة رسوله والنحو واللغة ، فقال : صدقت ، ونعم ما علمت ، ولكن لو ظهر عليكم خارجي بماذا كنتم تقابلونه ؟ فقال له الفقيه : بسيفك المسلول ، فقال له المظفر : أحسنت ، هكذا كان الصدر الأول من السلف رضي اللّه عنهم ، فعرض عليه أن يدرس بمدرسته ، فاعتذر الفقيه بأنه رجل تهامي ، لا صبر له على الجبال الوعرة والبلاد الباردة ، فقال له السلطان : ليس هذا عذرا وأنت ذكرت لي أنك قرأت على ابن الزبير بالمخلافة ، وهي أشد بردا من هذه البلد ، وأضنك عيشا ، فقال : الآن حججتني ، سمعا وطاعة لما تريد . قال الجندي : ( قال عثمان الشرعبي : فلما استمر مدرسا في المدرسة . . ظهرت الفوائد الجمة على الطلبة ، وأنارت الأنوار الفقهية والحديثية والنحوية واللغوية ، وكان يسمع في أرجاء المدرسة صرير الأقلام ، وانتفع به الخاص والعام ، وكان مجلسه محفوفا بالبركات ، محفوظا عن الزلات ، إذا تعرض فيه متعرض لنحو غيبة . . زبره الفقيه ، وكان يقرئ الحديث في رجب وشعبان ورمضان ، فيحضر مجلسه المدرسون ، والشيوخ الصالحون ، والشباب التائبون . وكان كثير الورع ، محفوظا عن أكل ما فيه شبهة ، لا يأكل إلا ما تحقق حله ، وإن أكل شيئا فيه شبهة . . لا يستقر في بطنه منه شيء ، قال عثمان الشرعبي : عمل بعض جيران المدرسة طعاما لحادث حدث له ، فطلب جيرانه وجماعة من الفقهاء المدرسين فيهم الفقيه عيسى ، فأكلوا ، وأكل الفقيه معهم ، فلما رجع الفقيه إلى بيته . . لم يستقر ذلك الطعام في جوفه ، وتقيأه جميعه ، ثم أخرج قطعة دم ، ثم سأل الفقيه عثمان عن الرجل الذي دعاهم إلى بيته ، فقال : هو عبد من عبيد الطبلخانة « 1 » ، فقال : لو علمت حاله . . لامتنعت ، لكن قلدت الفقهاء . فأقام الفقيه على التدريس في المدرسة المظفرية سنين ، ثم عاد إلى بلده ، فأقام أياما يسيرة ، ثم توفي في سنة ثمانين تقريبا ) « 2 » .
--> ( 1 ) الطبلخانة : المكان المعد لحفظ الطبول والأبواق والصنوج التي يستخدمها الجيش في الموسيقى العسكرية . ( 2 ) « السلوك » ( 2 / 345 ) .