ابن أبي مخرمة

362

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

وأجل من رتب الملوك عليهم * ثوب الحرير مطرز بالعسجد سود الدفاتر أن أكون نديمها * طول النهار وبرد ظل المسجد فقال له الأشرف : نعم ما حفظت . كان يجتمع بالمقدسي كثيرا ، ويتذاكران في علم الكلام بما لا تحتمله أفهام العوام ، حتى نسبا إلى الزندقة والكفر ، وشهد عليهما الفقيه أحمد بن الصفي أنهما ينكران صدق القرآن ويقولان : ليس هو كلام اللّه ، فاجتمع الفقهاء إلى رأس المفتين يومئذ بتعز وهو أبو بكر بن آدم الزيلعي ، وتشاوروا في أمرهما ، فاتفق رأي الفقهاء على أن تصلى الجمعة بجامع المغربة ، فإذا خرج ابن البانة والمقدسي . . قتلناهما ، وأرحنا منهما الإسلام والمسلمين ، فسمع ابن البانة بما تمالأ عليه الفقهاء ، فتقدم إلى المقدسي ، وعرفه الأمر وحذره ، وأمره بالتقدم إلى الواثق والالتزام به ، وهو إذ ذاك نائب عن أبيه المظفر بتعز ، ثم سار ابن البانة مبادرا من تعز إلى زبيد ، فلما كان يوم الجمعة . . طلع الفقيه أبو بكر بن آدم من ذي عدينة إلى جامع المغربة ، واجتمع إليه الفقهاء للأمر الذي قد بيتوه ، فلما حان وقت الصلاة . . دخل المقدسي ومعه جماعة من خدم الواثق يحرسونه بالسلاح ، فلم يتم للفقهاء ما أرادوه منه . ولما وصل ابن البانة إلى زبيد . . قصد الأشرف بن المظفر لمعرفة كانت بينهما وجوار ، وكتب قصة يشكو فيها من فعل الفقهاء معه ، فلما وقف المظفر على القصة . . شق عليه الأمر ، وخشي مسارعة الفقهاء إلى شقاق يصعب علاجه ، فكتب إليهم : أظلمتم الضياء ، وخبطتم في عشواء ، فاقتصروا عن هذه الأهواء ، واشتغلوا بالنصوص ؛ فإنك يا بن آدم - أعني المتفقهة وأمثالك ممن هو في تلك الجهة - لم تحط علما بما هو في كتابه تعالى ، ولو بهت أحدكم وسئل عن مسألة على قولين . . لم يكن في قدرته الجواب عنها حتى يكشف ويطالع ، فإذا كان بغيتكم ما أفنيتم فيه أعماركم . . فكيف تخرجون إلى أهوية تقيمون لها أمثالا بظاهر ألفاظكم مما يستدل بها على أهويتكم ، فاعتمدوا على الكتاب والسنة والصحيح من حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، واتركوا التمسك بالموضوعات عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فلهذا علماء يوردون ويصدرون ، ولستم من ذلك النمط في شيء ، فالحذر الحذر كل الحذر ، ومن حذّر فقد أنذر ، فإن اقتصرتم ، وإلا . . قصركم السيف عن طول اللسان ؛ فإنما قصدكم التلبيس على العوام بقيل وقال .