ابن أبي مخرمة

316

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

أصل بلده النّويدرة ، ثم سكن زبيد ، وحاز مسجد الأشاعر على الحنفية ، فكان يدرس فيه ، وإذا دخل الوقت . . بادر بالصلاة ، فتعب من ذلك الحنفية ، فلم يحفل بهم ، وكان لا يوجد إلا مدرسا أو مصليا ، ثم إنه في بعض الأيام استدعى أخاه أبا الحسن وهو جد بني الحطاب الموجودين في النويدرة ، فقال له : إني رأيت الباري سبحانه وتعالى يقول لي : يا محمد ؛ أنا أحبك ، فقلت : يا رب ؛ من أحببته . . ابتليته ، فقال لي : استعدّ للبلاء ، فكن يا أخي على حذر من أمري ، فلما كان آخر ذلك اليوم . . صلّى العصر بالأشاعر ، ثم خرج إلى بيته ، فغشي عليه في الطريق ، فيقال : إن الفقيه إسماعيل الحضرمي مرّ به وهو في تلك الحالة ، فقبل بين عينيه وقال له : أهلا بك يا محبوب ، وهو إذ ذاك ابن خمس وعشرين سنة ، ففسخ عليه شيخه نكاح ابنته ، واشترى له جارية من ماله تقوم به ، وخطبت زوجته فقالت : لا أريد به بدلا حيا ولا ميتا ، فكانت الجارية تربيه وتحفظه ، وربما ضربته ، وكان غالب أحيانه مربوطا إلى شيء أكيد ، وكان الطلبة وغيرهم من أصحابه يقرءون عليه في أوقات يكون فيها حاضر الذهن ، ويباحثونه في العلم ، فإذا تغير . . خرجوا عنه ، ومن لم يعرف حاله . . صفقت الجارية فيخرج ، وكان من أكثر الناس حفظا للآثار والأمثال والأخبار . يحكى أن المظفر قال لجلسائه : أذكر بيتين كنت أحفظهما في الصغر ، لا أذكر منهما غير حضني أو حضنا ، أود روايتهما ولو بمال ، وأخبر بحال الفقيه المذكور وأنه قد يفيق في بعض الأوقات ويسأل عن عدة مسائل فيجيب عنها ، فسئلت الجارية عن وقت صفاء ذهن الفقيه ، فقالت : بين المغرب والعشاء ، فلما كان مع المغرب . . أرسل لها المظفر بمركوب وغلام يركبه ، وأمرها أن تصل مع الفقيه إلى حضرة السلطان ، وكانت الجارية قد استعدت لذلك بغسل الفقيه وتنظيفه ، فحضر مجلس المظفر وهو غاص بالفقهاء والأمراء وأعيان الدولة ، فسئل عن أي مكان هو فيه ، فقال : مقام السلطان الملك المظفر ، ثم قال : يا يوسف ؛ كان والدك صاحبي ، فقال له السلطان : نعم الصاحب أنت يا فقيه ، ثم سئل عن الحاضرين شخصا شخصا ، وكلما سئل عن شخص . . قال : هو فلان بمعرفة شافية ، حتى سئل عن ابن دعاس وكانت بينهما مكارهة فقال : هذا ابن عم أخيه فقيل له : إن السلطان كان يحفظ أيام الصغر بيتين نسيهما ، غير أن في أحدهما حضني أو حضنا ، فقال : هما بيتان مشهوران ، يقول صاحبهما : [ من مجزوء الرمل ] راحة المرء صغيرا * بين حضني والديه فإذا ماتا أحالا * بشقا الدنيا عليه